Рyccкий | Español | Português  
Home  |  About Us  |  Our Work  |  Resources  |  Support Us  |  News & Events  |  Contact Us
 

 

Purchase CR materials

Turn Graphics On

The village of Um Zeifa in Darfur is attacked in 2004

قرية أم زيفا في دارفور بعد الغارة عليها عام 2004.

برايان ستيدل

البروفسور عطا البطحاني هو رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخرطوم

شبكة معقدة: السياسة والنزاع في السودان

عطا البطحاني

شوهت الحرب الأهلية وجه التاريخ السوداني للخمسين عاماً الماضية، فقد تسببت النزاعات المسلحة المطولة بمقتل وجرح وتشريد الملايين من الأشخاص وتعطيل قطاعي الصحة والتعليم وتدمير أسباب الرزق والمعيشة. بسبب الحرب دمر الكثير من رأسمال السودان المادي والبشري وهدرت فرص التنمية. أما الاختلال الاقتصادي نتيجة المصاريف العكسرية وانعدام الاستقرار السياسي ومناخ الحقد وانعدام الثقة فلا تقدر بالمال.

انصب أغلب الاهتمام الدولي على الحرب بين الحكومة والجماعات المسلحة الجنوبية (1955 – 1972 و 1983 – 2005) ولكن الإحساس بالتهميش لم يكن ظاهرة جنوبية فقط، فجماعات مثل البجا في الشرق والفور في دارفور وجبال النوبة في كردفان كانوا من بين مجموعات عديدة انجرت إلى نزاعات مسلحة مع الحكومة السودانية أو الميلشيات المدعومة من الحكومة. وصفت النزاعات المسلحة في السودان بأنها حرب أهلية من عدة حروب متداخلة، وبشكلٍ مساوٍ فإن أسبابها متشابكة فقد لعبت أبعاٌد ومسبباتٌ كثيرةٌ دوراً فيها منها الاقتصادي والعرقي والثقافي والديني والدولي ومنها ما يتعلق بالموارد وإن كان بعض هذه الأبعاد والمسببات أهم من الآخر. وعزز كل ذلك أزمة الشرعية في الدولة واستخدامها كوسيلة للاستغلال الاقتصادي الذي يدفع النخب السياسية للتنافس على السيطرة على مؤسسات الدولة.

عملت أنظمة الحكم المتعاقبة على توظيف الهياكل الإدارية لإضعاف سيطرة السكان المحليين والسلطات المحلية على الموارد. واستخدمت الهوية والأيديولوجيا (وخصوصاً القومية العربية والإسلام السياسي) لحشد الدعم للتعويض عن إخفاقات سياسة الدولة في الحكم وفي التنمية. وأتقنت النخب السياسية سياسة “فرق تسد” الموروثة من الحقبة الاستعمارية عبر التنظيم الإقليمي (المناطقي) للدولة السودانية الحديثة وكانت نتيجة ذلك هي التخلف والاستبعاد والنزاعات والعنف.

تشكيل الدولة دون تعزيزها

تكمن مشكلة السودان في تشكيله كدولة، فوجود سلطة مركزية والسيطرة على الأقاليم ضروريان لتشكيل دولة منظمة وفعالة تعمل كما ينبغي. وبينما يمكن لكيان مناطقي أن يشكل بالقوة إلا أنه لا يمكن توحيده إلا عندما تعبر السلطة السياسية عن نفسها عن طريق جباية الضرائب وتوفير الأمن والتطوير الاجتماعي، ولكن السلطة السياسية في السودان استغلالية منذ أمدٍ بعيد.

مع أن القوميين في الشمال والجنوب يدعون أن السودان موجود منذ آلاف السنين إلا أنه لم يعرف كدولة إلا في ظل الاستعمار في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وقبل ذلك كان موطناً لجيوبٍ تضم مجتمعات سياسية صغيرة غير منظمة نسبياً تطورت إلى سلطنات وبرزت كممالك تجارية على طول نهر النيل. وقام النظام المصري-العثماني (والذي أسس من خلال إخضاع البلاد للسيطرة بين 1820-1821) بدمج هذه الكيانات ولكنه لم يكن قادرا على تعزيز السيطرة على الجنوب والأطراف. بدلاً من ذلك أُسسس نمطٌ من الاستغلال الاقتصادي كان فيه الجنوب عرضةً لغاراتٍ دورية (تشمل الإغارة لاسترقاق العبيد) من قبل قوى مدعومة من الحكومة وشبات تجارية اقليمية في هذا النمط الاستغلالي استثني الجنوب من عملية تطور المجتمع السياسي.

استعادت بريطانيا ومصر (والتي كانت محمية بريطانية من 1882 – 1922) السيطرة على السودان في 1898 بعد ثورة المهدي في أوائل الثمانينات من القرن التاسع عشر ولكنهما واجتها صعوبات جمة في تأسيس سلطة مركزية، فدارفور التي اخذت شكل سلطنة في ظل الثورة المهدية لم يتم إستعادتها تحت سيطرة الحكم البريطاني-المصري إلا في 1916 أما الجنوب فلم يحل الهدوء فيه إلا في عشرينيات القرن العشرين ولكن بعد اندلاع ثورة في الجنوب عام 1922 أغلق البريطانيون الجنوب أمام معظم الشماليين بإصدارهم تشريع المنطقة المغلقة. وفي السنوات التالية، ولتفادى اثار نمو الحركات الوطنية أنشئ شكل من الحكم غير المباشر عرف باسم الإدارة المحلية وكان يعمل من خلال شيوخ القرى والزعماء القبليين البارزين.

افترض لوقتٍ طويل أن قدر الجنوب هو استمرار الوصاية البريطانية عليه وربما في نهاية الأمر تشكيل إدارة منفصلة كمستعمرةٍ شرق إفريقية ولكن في العام 1947 تقرر أن يبقى الجنوب جزءاً من السودان. مع إهمال التعليم في الجنوب هيمن الشماليون على الطبقة السياسية الناشئة ولم يكن إلا القليل من الجنوبيين قادرين على ملء المناصب الإدارية الشاغرة في برنامج التوطين السوداني في بداية خمسينيات القرن العشرين. لدعم الطموحات السودانية بحق تقرير المصير ولاستباق أي ادعاءات مصرية بالسيادة على السودان منحت بريطانيا الاستقلال للسودان عام 1956 بعد فترة انتقالية لثلاث سنوات وسلمت السلطة السياسية والسيطرة على الجيش والخدمات المدنية وإدارة الموارد الاقتصادية إلى النخب الشمالية “النهرية” (بشكلٍ أساسي من ولايات الخرطوم والنيل حالياً).

الاستقلال والحرب والتنمية

سعت حكومات ما بعد الاستقلال – ومنذ استيلاء الجنرال عبود على السلطة في 1958 – لتحديث الدولة والاقتصاد وخلق هوية وطنية سودانية مبنية على الثقافة العربية والإسلام. وحتى قبل الاستقلال الرسمي أدى التكتيك المتبع في نقل الجنوبيين بعيداً عن الجنوب إلى تمرد القوات الجنوبية في توريت عام 1955. واستمر معظم الثوار بالقتال انطلاقاً من أوغندا وبدأت بالتطور ما أصبحت تعرف بحرب الشمال والجنوب. قاتل المتمردون الجنوبيون – والذين أصبحوا يعرفون بحركة أنيانيا – للحصول على استقلال الجنوب ولكنهم واجهوا العديد من الخلافات الداخلية بينهم حتى توحدوا تحت قيادة جوزيف لاجو في 1970. في عام 1964 أجبر الجنرال عبود على التنحي عن السلطة، وبالرغم من بوادر تحول نوعى فى شكل الحكم وعلاقتة بالاقاليم خاصة الجنوب (مؤتمر المائدة المستديرة) الا ان الحكومات الحزبية التي خلفته كانت معارضة بذات القدر للحكم الذاتي في الجنوب.

وفي عام 1969 استولت مجموعة من الضباط اليساريين بقيادة جعفر النميري على السلطة وتمكنت من التغلب على تحديات الطائفية ودخلت فى صراع مع الحزب الشيوعى دفعها للبحث عن قاعدة دعم هامة لهم في الجنوب اثر التوقيع على اتفاقية سلام مع الجنرال جوزيف لاغو في أديس أبابا عام 1972 ومنح الجنوب قدراً كبيراً من الحكم الذاتي الإقليمي وبحلول 1973 كانت قد تأسست دولة علمانية ونظام سياسي رئاسي في السودان.

كانت استراتيجية النميري تهدف إلى إضعاف قواعد قوى الجماعات السياسية التقليدية التي يمكن أن تشكل تهديداً له وقام بإلغاء نظام الإدارة المحلية واستبدل به مجالس منتخبة سيطرت عليها النخب الادارية والسياسية وبشكلٍ خاص طبقة التجار والموظفين من المناطق النيلية. كما همش التطوير الاقتصادي الكثير من الناس في السودان. كان إبطال العمل بترتيبات استملاك الأراضي التقليدية من بين المسببات الرئيسية للاستياء في الشمال بينما أدت خطط إنشاء قنال جونجلي التي تهدف إلى استغلالٍ أفضل لمياه النيل إلى إثارة الامتعاض لدى الجنوبيين. وجه الاقتصاد الوطني باتجاه الزراعات الممولة بضخامة بهدف التصدير حيث سعى السودان، عبر شراكة مع راس المال العربى والغربى، ليصبح سلة غذاء الشرق الأوسط. منحت الحكومة عقود إيجار جديدة للمزارع التجارية وسهلت الوصول إلى المدخلات الرخيصة لتكسب الدعم السياسي. ولاحقاً قامت المصارف الإسلامية وبالتحالف مع بيروقراطية الدولة والأحزاب التقليدية المبنية على الدين (أو “الطائفية”) بالاستثمار بشكلٍ كبير في المشاريع الممكننة مما عمق توجه المصالح في الحفاظ على مورد من العمالة الرخيصة والاراضى الواسعة. ونتج عن هذه السياسة الانتقال الاجباري للمزارعين القرويين والرعاة إلى أراضٍ هامشية مما أثار غزوات عنيفة وغارات انتقامية.

ونتيجة لتسلط حكم الفرد وتزايد الافقار الاقتصادى وفتور علاقته بالجنوب، اتجه النميري في محاولة منه لصرف التهديد الموجه ضد حكمه من قبل الأصوليين الإسلاميين والأحزاب الطائفية اتجه لاحقاً إلى مصادر أخرى للحصول على الدعم السياسى. ومع فشل المعارضة فى اسقاط النظام ركنت لمشروع المصالحة الوطنية لعام 1977 حيث دخل زعيم حزب الأمة الصادق المهدي وحسن الترابي من الإخوان المسلمين إلى حكومة النميرى وتوسعت قاعدة الدعم التي يتمتع بها هذا الاخير وان زاد بذلك من الطابع الإسلامي لحكمه. وانتهى تصاعد الأسلمة إلى الثوجه الإسلامى في 1983 بقوانين الشريعة او “قوانين سبتمبر” وإلى ازدياد في صرامة التعامل مع المعارضة. ومع الضغوط من القوى الشمالية الأخرى التي لم تكن تثق بقاعدة الدعم التي يملكها في الجنوب أبطل النميري العمل باتفاق أديس أبابا في 1983 ملغياً تعديلاته الدستورية للتخطيط لتوجيه عوائد النفط المستكشف حديثاً إلى الحكومة المركزية.

حرب متجددة

وصل استياء الجنوبيين – الذي شهد بقاء بعض بقايا المحاربين تحت راية أنيانيا-2 منذ بداية سبعينيات القرن العشرين – إلى نقطة الانفجار في 1983. شكل الجنرال السابق في الجيش جون غرنغ جيش الحركة الشعبية لتحرير السودان في إثيوبيا واندلعت حرب أهلية ثانية. كان هدف جون غرنغ المعلن هو سودان جديد موحد وعلماني وهي استراتيجية مصممة لشمل المظالم والفئات التي تقع خارج نطاق الجنوب رغم أن معظم الفئات الشمالية الحاكمة ظلت رافضة لمثل هذا العرض وأن العديد من الجنوبيين ظلوا ملتزمين بالانفصال. من بين الشكاوى التي تضمنها إعلان جيش الحركة الشعبية لتحرير السودان كانت التدخل في اختيار قيادات منطقة الجنوب والإلغاء غير الدستوري للكيانات المحلية وإعادة تقسيم الجنوب إلى ثلاث مديريات.

تمت الإطاحة بنظام النميري المتصدع عام 1985 وعاد الصادق المهدي ليصبح رئيس الوزراء مرة ثانية في 1986، وخلال الحرب الأهلية استخدمت الخرطوم بشكل متزايد الميليشيات القبلية مثل الميسيرية والرزيقات والمرحلين في كردفان ودارفور لمحاربة الثوار، وكانت المجاعة والهجرة القسرية من بين العواقب المقصودة أو غير المقصودة التي نتجت عن ذلك. وبسهولة انقلبت قبائل البقارة المهمشة اقتصادياً على قبائل النوير والدنكا مقدمةً بذلك للحكومة وسيلة غير مكلفة لقمع المعارضة الجنوبية وكانت لهذه المليشيات التي شكلت لحماية ملكية الأراضي والمصالح النفطية الحصانة من أي ملاحقة قانونية وارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

كانت المنافسة السياسية تزرع بذور الشقاق بين حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية الوطنية بقيادة الترابي والحزب السياسي للإخوان المسلمين. في عام 1988 أعيد العمل بالإدارة المحلية في العديد من مناطق الدولة بما في ذلك دارفور. ومع إخفاق الجبهة الإسلامية الوطنية في تأمين موطئ قدم لها في دارفور أو الحفاظ على قاعدة شعبية بسبب تأثير حزب الأمة حاولت الجبهة تقويض وحدة المجموعات العرقية والقبلية الكبرى بدعوة الناس إلى تجاوز الولاءات الضيقة والانتماء للإسلام.

حكم الإسلاميين

في عام 1989 وقبل وقتٍ قصير من موعد لقاء الصادق المهدري بجو غرنغ في أديس أدبابا لبدء محادثات السلام قاد الجنرال عمر البشير انقلاباً عسكرياً مطلقاً دكتاتورية إسلامية بالتنسيق التام مع الترابي والجبهة الإسلامية القومية. اتخذ قتال الثوار بالنسبة لحكومة الجبهة الإسلامية القومية طابع الجهاد الديني وتابعت الحكومة الحرب في الجنوب لقلب التقدم العسكري الذي كان الجيش الشعبي لتحرير السودان حققه في 1989-1990. وأدى تشكيل قوة الدفاع الشعبي العسكرية المساندة عام 1989 إلى اندلاع جولة جديدة من العنف وخصوصاً ضد شعب النوبة.

كانت معارضة الخرطوم قضية وطنية ولم تكن مجرد مسألة شمال وجنوب. وانتهج النظام الإسلامي في بداية التسعينيات من القرن العشرين سياسية تدمير منهجي للحكم المحلي واستبداله بحلفاء موالين للنظام وكانوا عبارة عن مجموعات معروفة بعدائها لحزب الأمة في دارفور وجماعات عرقية وقبلية معادية للاحزاب التقليدية وقادة قبليين وعائلات كانوا قد فقدوا السلطة وأرادوا استغلال الفرص التي قدمها لهم النظام الجديد. وجمع توافق المصالح هذه العوامل ليشكل اتفاقاً غير مكتوب مع الحكام الإسلاميين في الخرطوم. أحدثت هذه الفئة من النخب المثقفة من القبائل تغيرات هامة في السياسات القبلية حيث استخدمت التشكيلات القبلية الصغيرة والكبيرة كجماعات ضغط أو تأثير كأساس للمنافسة على الزعامة السياسية والاقتصادية. وسعى النظام لإيجاد أصدقاء له في الجنوب فمع بدء تصدع الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان في 1991 – وبشكل أساسي بين النوير والدنكا – رعت (شجعت) حكومة الخرطوم الأطراف التي كان لديها الاستعداد لمحاربة جماعة غرنغ التي كان يسيطر عليها البور- دنكا.

ومنذ العام 2001 جدد المجتمع الدولي جهوده لدعم التوصل لاتفاق سلام بين الحكومة وجيش الحركة الشعبية لتحرير السودان ولكن الاعتراف الذي أعطاه ذلك ب الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان ووضع إطار للمحادثات برعاية IGAD (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية) بين شمال موحد وجنوب موحد أبعد أولئك الذين شعروا بالتهميش من قبل حكامهم وشجعهم على حمل السلاح وكانت هذه المشاعر عاملاً هاماً في اندلاع الحرب في دارفور أوائل العام 2003.

الأسباب المتداخلة وراء النزاع

للنزاع المسلح عوامل عديدة يشكل كل منها خيطاً في شبكة معقدة من الأسباب تسهم كلها منفردة ومجتمعة في تأجيج القتال وتفاقمه وإطالة أمده. وكعوامل فردية يعمل كل منها ضمن قالب متعدد الطبقات ذي أبعاد تاريخية واقتصادية وسياسية ويكون أكثر حدة وخطورة عندما تعززه وتدعمه عوامل أخرى. فمثلاً قد لا تكون الفرص غير المتكافئة للحصول على الموارد أو الضغط الشعبي سبباً بحد ذاتها في التسبب بالنزاع ولكنها قد تتفاعل مع الإجحاف العرقي-الثقافي أو التلاعب السياسي لتؤجج القتال.

منذ الحقبة الاستعمارية لم يكن التطورالاقتصادي متوازناً بين الاقاليم والمناطق المختلفة فى الدولة ولكن الحكومات الوطنية المتعاقبة منذ الاستقلال عمقت التباين والتهميش بانحيازها للمناطق النيلية الوسطى عند تخصيص وتوزيع مشاريع التنمية والفرص الاستثمارية. وكان للدين الخارجي وهروب رؤوس الأموال وتدهور أسعار السلع الأساسية عواقب اقتصادية واجتماعية وبيئية. وانعكس عدم تساوي فرص الحصول على الموارد على المستوى الوطني على المستويات المحلية والمناطقية. وأكدت كل الجماعات المسلحة في السودان على أهمية فرص الاستفادة من الموارد الطبيعية والاجتماعية وأن يتم ذلك بعدالة وإنصاف مع مشاركة الموارد وتطويرها.

ومع تزايد السكان والتدهور البيئي والجفاف تصبح ندرة الموارد البيئية كالأراضي الزراعية والماء العذب والموارد البحرية أكثر أهمية كسبب أو حافز للنزاع. لا تؤدي العوامل البيئية وندرة الموارد بشكلٍ حتمي إلى المواجهات المسلحة ولكن في الحالات التي تتفاقم فيها بسبب عدم المساواة الاقتصادية أو الاجتماعية وسوء الإدارة فإن المظهر الصدامي لندرة الموارد البيئية يبدو مسيطراً كما هي الحال في دارفور وكردفان.

الاعتقاد الشائع بأن النزاعات المسلحة في إفريقيا تنشأ من اختلافات عرقية أو قبلية أو دينية أو ثقافية خاطئٌ إلى حدٍ كبير. أغلب حالات الفصل العرقي تبدو كنتيجة للنزاعات المسلحة أكثر من أن تكون سبباً لها. ولكن الفصل العرقي والديني والثقافي يصبح أكبر تأثيراً في تحديد إدراك وتفهم الناس للنزاع المسلحة على جانبي النزاع حتى لو كانت هذه العوامل ضعيفة أو غير موجودة أساساً كأسباب جذرية لنزاع جديد. وكلما طال النزاع أكثر كلما لعبت هذه العوامل العرقية والدينية والثقافية دوراً أكبر كأساس للتضامن والحشد السياسي. في النزاعات التي تستمر لفترات طويلة عندما تزول حتى الأسباب الأولية للنزاع تصبح العرقية المجردة والأيدلوجية مادة فعالة وقوة اجتماعية. وفي السودان شجعت هذه الهويات العرقية والإيديولوجية عن عمد ووظفت كوسائل عززت التعبئة والمقاومة من جهة ومن جهة اخرى عملت القوى الحاكمة على التمسك والاستئثار بما لديها وان ادى ذلك، مع عوامل اخرى، لتدويل حروب السودان.

وعزز كل هذه العوامل عددٌ من المشاكل السياسية الجوهرية. لم يتوصل السودان إلى أي حل سياسي فعال للتعامل مع مشكلة التنوع والتعددية. ينعكس ما يطلق عليه العلماء السياسيون تسمية نزعة السيطرة-العضوية (والتي تسعى فيها الدولة لإدماج المجموعات الاجتماعية والسيطرة عليها) في هيكلية حزب واحد ممزوجة مع تعددية حزبية هشة تمثل مصالح مجموعات متعددة، وبالتالي يتم الحفاظ على المصالح والمجموعات القبلية والطائفية والعرقية والمناطقية والتلاعب بها من قبل القيادة السياسية والتي كي تدعم وتعزز قواعدها الاجتماعية والسياسية الضيقة تتقن منطق صنع التحالفات وفن إدارة علاقات الراعي-الزبون، ومحاصصة “الريع” بين حلفاء الحكم. وبالإضافة إلى ذلك تسهم أساليب الانتفاع القصير الأمد وتكتيكات بناء الدعم السياسي والإثراء الذاتي في تقويض سلطة الدولة الهشة أصلاً وتغرس بذلك تصور المنصب الحكومي كمصدر للدخل أو كإيجار وهذه الطبيعة الإيجارية للمناصب الحكومية تستغل لأكبر حد ممكن من قبل السياسين والإداريين والجماعات المنوط بها استغلال ثروات السودان الطبيعية.

خاتمة

على الرغم من التطور الهام الذي تم التوصل إليه بتوقيع اتفاق السلام الشامل في 2005 إلا أنه ما يزال من المبكر تحديد إذا ما كان سيصبح أساس التحول الذي يحتاجه السودان. صناعة السلام هي نتاج السياسات ولا يمكن النظر إلى اتفاق السلام الشامل والدستور المؤقت إلا كنتاج لحاجة الحكومة لجلب واستيعاب منافس قوي لتحالفها بينما تتعامل مع المنافسين الآخرين تباعا عبراتفاقيات لاحقة، وبحصص اقل (دارفور والشرق). تعكس حكومة ما بعد اتفاق السلام الشامل والهيكلية الفدرالية الكثير من معالم ما قبل اتفاق السلام الشامل. يتميز الشعب السوادني بالمرونة وذخيرة فى الديناميكية السياسية ولكن ما لم يتم العمل على تقويم الظلم التاريخي الذي وقع على قطاعات مضطهدة من الشعب والتفاوض على عقد اجتماعي جديد ضمن إطار إعادة هيكلة سياسية وخلق بيئة تفضي لخلق نظام سياسي عادل يستوعب مصالح الجميع فسوف تتهئأ البيئة الكلية لنمو خلافات وصراعات جديدة.

 

Top | Sudan | Contents