| ||
|
لازارو سيمبيو مع علي عثمان طه (يسار) وجون غرنغ (يمين) في نايفاشا، يناير 2004. رويترز/ أنطوني نجوغونا وجهة نظر الوسيط: مقابلة مع الجنرال لازارو سمبييو كيف أصبحت وسيطا لعملية السلام الخاصة بالهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد)؟ لقد كنت مبعوثا خاصا لكينيا ما بين 1997- 1998، وفي أواخر شهر أكتوبر 2001 اتصل بي الرئيس موا وقال “أريد أن أعينك في وظيفة ولا أريدك أن ترفضها”. لقد حاولت التملص منها ولكنه كان مصمماً حيث أن المجتمع الدولي رفض دعم عملية السلام دون وجود وسيط جديد. وقبل كل شيء توجهت إلى الأطراف المعنية ووافق كل من الرئيس البشير والحركة الشعبية لتحرير السودان على قبولي وسيطا، ووجدت أن أمانة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد) قد راكمت فاتورة بقيمة 10 ملايين شيلنغ مقابل الإيجار والخدمات والبدلات، وكانت أولى مهماتي هي حل هذه المشكلة أولا بإقناع الحكومة الكينية بتسديد هذه الفاتورة (وأنا ممتن لسيادة موا الذي أصدر تعليماته لوزارة المالية للتنفيذ)، وثانيا بخلق جو من المصداقية مع الجهات المانحة، كما توجهت إلى الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، وكلهم أبدوا دعمهم لي. كيف حصلت على دعم المجتمع الدولي لمبادرتك؟ لقد طالب البيان الرسمي لمؤتمر إيجاد الذي عقد في الخرطوم في يناير 2002 من رئيس اللجنة الخاصة بالسودان أن “يحيي عملية سلام إيغاد وأن يدعو المبادرات الأخرى بقصد تنسيق الجهود”. وقد قمت بترجمة ما تعنيه هذه العبارة على أنها تعني جمع وإشراك أي شخص كان لديه شيئا ما ليقدمه. ولقد لمحت فرصة لجلب المجتمع الدولي على نموذج مؤتمر شركاء إيجاد. وقد منحت نفسي السلطة لدعوة أي شخص وفقا لمتطلباتي طالما يستطيعون تغطيه هذه النفقات، واشتملت الجهات المدعوة على البريطانيين والنرويجيين والأمريكيين والإيطاليين وآخرين غيرهم. ولكن كانت هناك مبادرة مصرية ليبية مشتركة حول السودان في ذلك الوقت، لذلك توجهت إلى القاهرة لأؤكد للمصرين أنني لن أقدم على فعل شيء دون علمهم، وكان الرئيس مبارك طيبا جدا وقال إنه سيرسل الوزير المكلف بالأمن ليذهب ويتحدث مع [الزعيم الليبي] القذافي. ما كان دور الدول الأخرى الأعضاء في إيجاد لقد كانت عملية السلام هي إحدى مبادرات إيغاد، ولذلك عندما طلبت من الأطراف الاجتماع في مايو 2002 قمت أنا بدعوة مبعوثي إيغاد الآخرين، وحضر الاجتماع سفراء نيروبي في أثيوبيا واريتريا وأوغندا. وقد شكلنا فريقا وبدأت البحث أيضا عن أشخاص ذوي خبرة نوعية، وبالتشاور مع المبعوثين طلبت الاستعانة بأناس متخصصين مثل الأستاذ [فنك] هيسوم من جنوب أفريقيا، وهو محام دستوري معروف، والأستاذ جوليان هوتنغر وأساتذة في جامعة نيروبي. ما هو الشكل التي اتخذته المفاوضات؟ لقد كنت أتابع إعلان المبادئ الخاص بإيغاد في عامي 1997- 1998 بدقة متناهية، وهو إعلان يتناول قضايا الاعتراف والزراعة وإلى ما ذلك. ولقد كان إعلان المبادئ تشخيصا كاملا للوضع، ولكن كان على شخص ما إملاء ما يجب فعله إزاء كل مشكلة، وأدركت حينها أن ذلك لن يجدي نفعا. وكانت فكرتي في عام 2002 هي الاستمرار في التفاوض حول كل عنصر من عناصر إعلان المبادئ حتى ننتهي منه، ومن ثم نوصي هنا وهناك بما يمكن حدوثه، وعندما اتصلت بالطرفين في مايو 2002 لم يكن لديهم أي مشكلة مع برنامج العمل أو أنماط العمل، ولكنهم لم يستطيعوا الاتفاق على كلمتين حيث أصرت الحكومة على مصطلح الفترة “الانتقالية”، وأرادت حركة تحرير السودان استخدام مصطلح الفترة “المؤقتة”، ورفضا توقيع الوثيقة. وأرسلت الحكومة لي رسالة فظة تقول فيها إنني كنت متغطرسا وفظا مع وفد الحكومة وأنني بدوت كوسيط منحاز. لكني لم أنصت لهم حيث أرادوا الاستمرار ولكني قمت بإلغاء الاجتماع قبل الأوان. وأرسلت لهم رسالة مهذبة جدا قائلا إن الاجتماع كان من أكثر الاجتماعات نجاحا في المفاوضات ودعوتهم للحضور يوم 19 يونيو إلى مدينة مشاكوس في كينيا. والأمر المثير للدهشة أن الجميع قد حضروا الاجتماع، وكانت تلك المفاوضات هي الأكثر جدية. لقد كانت الوفود قليلة العدد جدا في مدينة كارن، ولكن في مشاكوس تألف كل وفد من ثمان مفاوضين وسكرتارية من شخصين. لقد اتخذت المفاوضات منعطفا مهما في مشاكوس. فقد كان المشاركون يصرخون في وجه بعضهم البعض لمدة 29 يوما، وبينما هم يصرخون كنت أنا أدون ملاحظاتي حول القضايا. وبعد مرور 29 يوما قمنا بإعداد نصا، وقد نصحني الرئيس كارتر أنني كنت سأخاطر بخسارة العملية برمتها في ظل عدم وجود نص تفاوضي واحد. لذلك قمت بترجمة إعلان المبادئ في نص واحد ومن ثم ركزت على القضيتين الأساسيتين، وهما تقرير المصير والفصل بين الدين والدولة، وكانت قضايا أخرى في هذا الإطار أيضا مثل تقاسم الثروات، والأمن، وتقاسم السلطة، والسلطة القضائية، والحقوق المدنية وما إلى ذلك. في 19 يوليو قررت أننا استغرقنا وقتا كافيا، وتشاورت مع المراقبين والمبعوثين، وقمنا بتسليم النص للطرفين في حوالي الساعة العاشرة مساءا. وأضفت أنني أريد ردا في تلك الليلة! لقد أمهلتهم ساعة واحدة، ولكنهم أرادوا أسبوعين. وبدءوا باستعمال هواتفهم النقالة للتحدث مع رؤسائهم، لذلك لم تتخذ القرارات في مشاكوس ولكنها اتخذت في أماكن أخرى. لقد كانت الفرق المشاركة مفوضة بالتفاوض والالتزام بمواقف معينة ولكنها لم تكون مخولة باتخاذ القرارات النهائية. ولم ننتهي من هذا الأمر بحلول منتصف الليل، وفي الساعة الواحدة اتصلوا بي قائلين، “نعم، لقد اتفقنا على القضيتين”، وقالوا “هل نستطيع تدوينهما غداً؟” وقلت أنا “كلا، يجب أن يتم تدوينهما الليلة”. وكتبنا بروتوكول الإطار وكان الطرفان سعيدين به ولكنهما لم يستطيعا التوقيع عليه حيث كان سالفا كير، كبير الموقعين عن وفد حركة تحرير السودان، في نيروبي في تلك الليلة وكذلك الدكتور غازي ممثل الحكومة. لذلك قمت بإعداد الوثيقة ووقعناها في اليوم التالي في مشاكوس. ماذا كان دور المراقبين في مشاكوس؟ لقد كان البريطانيون والنرويجيون والأمريكيون والإيطاليون متواجدين هناك، وكان دورهم إيجابيا جدا، عدا أن كل دولة كان لها رؤيتها الخاص حول طبيعة الحل. في الحقيقة، عندما أعددت نص التفاوض الوحيد هذا، سألني المراقب الأمريكي إن كنت تشاورت مع واشنطن. وقلت إنني لست مسئولا أمام واشنطن. وفي الواقع لم أحتاج للتشاور مع أي شخص لأنني توليت المهمة والتخويل بالتفاوض للتوصل إلى اتفاقية سلام. هكذا كان الحال، حتى وإن بدا الأمر وكأن آخرين أرادوا السيطرة على العملية. كيف واصلت العمل بعد بروتوكول مشاكوس؟ بدأنا المحادثات مرة أخرى بعد فترة راحة لمدة أسبوعين، ولكن حركة تحرير السودان قامت بمهاجمة منطقة توريت في سبتمبر 2002 وانسحبت الحكومة من المفاوضات. لذلك اضطررت إلى التفاوض لإقناع الطرفين بالعودة إلى التفاوض. ولم يكن أي من الوفدين يميل إلى الفرار في الحقيقة، وأعتقد أن هناك مجموعة أرادت عرقلة المفاوضات، ولكن كان هناك الكثيرون ممن أقروا بأن المفاوضات كانت ماضية في طريق ما. لقد حققنا تطورا هاما بالاتفاق حول وقف الأعمال العدائية في أكتوبر، وكان ذلك من أكثر الأجزاء التي حظيت برضائي في كل العملية إلى الآن. ولقد قلت من البداية إنه ليس هناك جدوى من التفاوض بينما الاقتتال دائر، ولكن ذلك لم يتحقق حتى بعد واقعة توريت. وبعد ذلك جرت الانتخابات الكينية في ديسمبر 2002، وتنحى موا عن سدة الحكم ولكن موقعي في عملية السلام لم يتأثر بذلك، وكان لدي نائب بارع في الجيش وأمضيت معظم الوقت في عملية السلام. لقد بدأت في ذلك الوقت عملك كوسيط حول المناطق المتنازع عليها وهي جبال النوبة، وجنوب النيل الأزرق، وأبيي وذلك دون رعاية إيغاد. لماذا قمت بذلك؟ عندما عاد مفاوضو حركة تحرير السودان ليبلغوا عن النجاح الذي تم تحقيقه في مشاكوس، لم تكن مناطق النزاع في ذلك الإطار، وعادوا وأصروا على وجوب مناقشة هذا الموضوع. والحكومة لم تكن لتناقش مناطق النزاع، واقترحت أن نتناقش حولها مع البريطانيين أو الأمريكيين المترئسين. وقالت حركة تحرير السودان: كلا، لأن البريطانيون يمكن أن يناصروا الحكومة. وقالت الحكومة: كلا، لأن الأمريكيون سوف يتحيزوا لحركة تحرير السودان. وفي نهاية المطاف، اتفق الطرفان على التفاوض حول هذه المناطق تحت رعاية كينيا وليس إيغاد. وكان هناك الكثير من الرمزية، وكتبنا الاتفاقية حول مناطق النزاع مبدئيا على ورق بترويسة كينية. ووجب على أن أكون حريصا في هذه المرحلة فيما يتعلق مصداقيتي مع مبعوثي الدول الأخرى لإيغاد. وقلت إنني سأقوم بذلك ولكن بشرط أن أختار الخبراء والمراقبين بنفسي. ووافق الطرفان وقمت باختيار المبعوثين الخاصين بي كمراقبين وخبراء. في ذلك الوقت كانت المحادثات الرئيسية لإيغاد منظمة بشكل يعتمد على المواضيع الرئيسية، مع وجود مجموعات تركز على قضايا معينة – هل كان ذلك لأنهم بعيدين عن بعضهم البعض؟ كلا. الشيء الذي شعرته في مشاكوس هو أن أولئك الناس لم يكونوا مخولين التخويل الصحيح، وثانيا، كانوا جميعا، الشمال والجنوب، معنيين بفئاتهم المستهدفة، وأردت أنا الوصول إلى تلك الفئات المستهدفة. وسافرت إلى السودان والتقيت بالكثيرين: من المجتمع المحلي، والجماعات الدينية، والمحامين، والقضاة، وكل شخص. فبعد أن تقاعدت من الجيش الكيني في نهاية فبراير 2003 توفر لدي الوقت الكافي للسفر. ولقد اتبعت إطار مشاكوس وحاولت معرفة مواقف الأطراف المعنية حول كل القضايا، قضايا الأمن، وتقاسم السلطة، وتقاسم الثروات. وبحلول يونيو 2003 سافرت إلى السودان بما فيه الكفاية، وكتبت “وثيقة ناكورو”. ووافق المراقبون على أن هذه الوثيقة كان من شأنها أن تحل كل القضايا الموجودة بعد مشاكوس. وبالطبع غضبت الحكومة غضبا شديدا، وجن جنون الرئيس البشير وقال “أيا كان من كتب وثيقة ناكورو يجب أن ينقعها في الماء ويشربها ويذهب إلى الجحيم!” وأرسل لي لاحقا رسولا ليقول إن هذا الكلام مجرد مناورات سياسية وإنه لم يعن ما قال. ذهبنا في أغسطس 2003 إلى نانيوكي في كينيا، وأرادت حركة تحرير السودان مفاوضات مباشرة، بينما أرادت الحكومة محادثات عن قرب ولم ترد التفاوض على أساس وثيقة ناكورو، على عكس حركة تحرير السودان. وتعثرت العملية لما يقارب الأسبوعين، ولكني لم أكن لأوافق علنا أننا تعثرنا بالفعل. وكنت أحاول إلزام من كان يسيطر على طرف الحكومة، ونجحت في ذلك. ولن يمكنني أبدا القول كيف أمكنني ذلك، ولكني علمت أنهم كانوا يبلغون نائب أول رئيس السودان علي عثمان طه، وأن شخص قال لهم “انتظروا، ولا تكونوا أول من ينسحب”. اتصلت على وزير الخارجية الكيني، ستيفن موسيوكا، في القاهرة وطلبت منه أن يقابل الرئيس البشير في الخرطوم وأن يطلب منه أن يحضر نائبه للتفاوض مع الدكتور جون غارانغ. ووافق غارانغ على الحضور إلى نيفاشا في 1 سبتمبر. وكان البشير مترددا وقال إن جون غارانغ كان قد تجاهل نائبه مرتين من قبل، وإذا حدث ذلك مرة ثالثة سيكون الأمر كارثة. ولكن وفي النهاية توصلنا إلى اتفاق لعقد اجتماعات تدوم فترة أربعة أيام بدءاً من الأول من سبتمبر على أمل أن تكون الاجتماعات مقتضبة. ولكن ولثلاثة أيام لم يحضر غارانغ! وكان ذلك أمراً عسيراً! وكان ضباطه يصرون على أنه يجب أن يتفاوض فقط مع الرئيس بنفسه. وساعدني شخصان من حركة تحرير السودان: الدكتور جستن ياك آروب والقائد دنغ الور الذين كانا في نيروبي. وكتب جون غرنغ رسالة إلى موسيوكا قائلا إنهم قد يعيدوا جدولة الاجتماع. وتسلم الدكتور جستن الرسالة ووضعها في جيبه، ولكنه لم يسلمها لموسيوكا. لقد ضغط على غرنغ بعد أن كتب له قائلا إنه لا يجب أن يحلم بالعودة إلى كينيا، لأن الكينيين كانوا غاضبين منه! وأنهم لن يريدوا أن يروه وأن عائلته يمكن أن تُطرد من البلاد. وفي اليوم الثالث، في تمام الساعة السادسة يصل جون غرنغ إلى نافاشا! وبحلول الساعة 6:30 جمعنا بين علي عثمان طه غرنغ، وكانت المرة الأولى التي يلتقيا فيها وجها لوجه. وطلبا منا أن نتركهم بمفردهم ليتحدثا، وأن يتعرفا إلى بعضهما البعض. لم أعرف ما قالا، ولكن قال لي علي عثمان لاحقا إن القرار اعتمد على زجاجة مياه حيث كانت هناك زجاجة مياه واحدة بينهما. فإذا فتح جون غارانغ هذه المياه، إذن كانا سيخرجان باتفاق، وإذا تركت الزجاجة مغلقة فلن يكون هناك اتفاق. وعليه يفتح جون غرنغ زجاجة المياه، ويصب منها لعلي ومن ثم يصب لنفسه. وبذلك انتهي الاختبار الأول بالنسبة لعلي! وقال لي جون غرنغ لاحقا إن علي قد نوى إقناعه على التوقيع على اتفاقية، كتلك التي تم توقيعها مع ريك ماكار في 1997. ولكنه لم يكن ليصدق ذلك بالطبع، فهو لم يقاتل كل تلك الفترة ليحصل على اتفاقية كتلك الاتفاقية. لقد كان من المهم حضور هذين الشخصين في نايفاشا، ولكنهما احتفظا بوفديهما أيضا، وأعطوهما أشياء ليناقشوها ويعودوا لهما ليطلعاهما على النتائج. ولكن كان علي أن أرى الرئيسين في كل مرة أردت أن أقترح شيء. وإذا أردت التحدث بمفردي إلى أشخص ما، كنت أطلب دائما من البقية أن يغادروا. وعندما انتقلنا إلى سيمبا لودج في نايفاشا، سألوني “ما المدة التي ترغب في قضائها؟” قلت لهم ربما أسبوعا. وتحول الأسبوع إلى 16 شهرا حتى وقعنا اتفاقية السلام الشامل. لقد كنا نعمل بدوام كامل هناك عدا فترات راحة متفق عليها مسبقا مثل شهر رمضان أو فترات السفر والتشاور. وبالطبع كانت هناك تهديدات: فأحيانا كانت الأطراف تحزم أغراضها، وتذهب إلى الاستقبال وتقول “نحن ذاهبون!” وكنت أنت هناك طوال الوقت، وهو أمر لا يمكن أن يفعله كل وسيط. نعم. لا أعتقد أن أي شخص كرئيس يمكنه أن يتوفر لديه الوقت ليجلس، ويأكل، ويذهب إلى صالة الرياضة، أو الساونا أو حمام البخار مع وجود الأطراف المعنية. ولكن انخراطي معهم في تلك الطرق المختلفة كان مهما جداً. لقد استغرق الأمر شهورا من الارتباطات. وتتطلب الأمر الحيادية. وأنا لست الشخص الذي يغلق الطرق أمام أي شخص، ولأنني كنت أحيانا أوبخ أي من الطرفين، أدرك الطرفان أنني كنت محايدا. لقد كنت تتفاوض والمجتمع الدولي يتفحص ويتابعك عن قرب. ما مدى صعوبة ذلك الأمر؟ لقد كان صعباً جداً، وخاصة من قبل الأمريكيين الذين كانوا يخاطبون السياسيات الأمريكية المحلية. لقد أحضروا طائرة في مستهل عام 2004 وقالوا “دعونا نوقع على اتفاقية جزئية حتى يستطيع الطرفان حضور خطاب الأمة”، ولكنني عارضت ذلك. لقد كان ذلك إيجابيا أحيانا. وقد طلبت من كولن باول الحضور، وطلبت من السيناتور دانفورث الحضور. وقد مارسوا ضغوطا مجدية. وكلما تخلف أحد الأطراف، كنت دائما أتصل على كولن باول. وقد حضر إلى نيروبي لمقاومة التلكؤ المتعمد في الوقت الذي كنا نحاول فيه القيام بالدفعة الأخيرة. وعندما ذهبنا إلى نايفاشا، لم يعد المراقبون يجلسون معنا. ولقد حضروا للتشاور مع الطرفين ومعي حول تقدم العملية، ولكنهم كانوا على حدود العملية وليسوا في خضم العملية نفسها. لقد كان هناك حديث حول شيء مثل قانون المسبح أو شيء من هذا القبيل تم ذكره أحيانا ؟ نعم. لقد كان المسبح في الفندق هو آخر مكان قد يحضر إليه المراقبون، فقد كان بمثابة الحدود، وما وراء تلك الحدود تواجد الطرفان والمبعوثين وأعضاء أمانة السر فقط. ما هي أصعب القضايا التي كان ليتفق عليها؟ لقد كان توقيع اتفاقية أمنية بإنشاء جيشين في بلد واحد بمثابة أصعب القضايا. وأنا نفسي لم أعتقد أنها كانت ممكنة، ولكن غرنغ قال لي إنه تفاوض بالفعل مع علي عثمان طه على هذا الأساس: أنك تحاول دفن رأسك في الرمال عندما تعلم أن هناك جيشان موجودان، لذلك فأفضل حل بالنسبة لنا هو الاعتراف بهذين الجيشين. وكان هناك أكثر من جيشين بالطبع. ثاني القضايا الصعبة كانت قضية تقاسم الثروات حيث كانت الحكومة قلقة بشأن ميزانيتها، ولكنها لم تعتبر أن ذلك كان توزيعا جديدا، وأنه لن يكون عملا تجاريا كالمعتاد. وفي أحد المرات كنا نفاوض على نسبة 2.5٪ من عائدات النفط، وأصبح هذا الأمر عسيرا للغاية. ولم تكن هناك مشاكل كثيرة حول تقاسم السلطة، وتفاوض الطرفان بين بعضهما البعض، ولكن المشكلة هنا كانت تتعلق بالنسبة المئوية، وكان من العسير علينا زحزحتهم عن مواقفهم. وفي النهاية توصلنا إلى صيغة. ما هي الاختلافات التي لاحظتها بخصوص مهارات التفاوض ونقاط القوة بين الطرفين؟ كلا الطرفين ينقصه القدرات على الوساطة. وأدركت لاحقا أنهما لم يتخيلا تغير مواقفهما، وحتى حركة تحرير السودان التي لم تصدق أنها ستحصل على اتفاقية. لقد تفاوضت الحكومة دائما بشروطها ولم تتصور وجود إدارة جديدة. ولكن عندما استمر الطرفان في التفاوض، بدءا في إدراك أنه يجب عليهما أن يتغيرا. لذلك فقد كانت حقا عملية، ولكي نساعد هذه العملية جلبنا عددا أكبر من الخبراء، من البنك الدولي، ومن الدول المنتجة للنفط، وخبراء من أستراليا ليتفاوضوا حول القضايا المتعلقة بالأرض. لقد جلبت كل شخص تقريبا! وفي الواقع أدى ذلك إلى قيام البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية إلى إدارة بعثة التقييم المشتركة الخاصة بهما؟ نعم. لقد حدث هذا بعد أن أدركا أنه سيتم التوصل إلى اتفاقية، وكان ذلك متكاملا تكاملا جيدا مع محادثاتنا، حتى أنه كان لي شخص في بعثة التقييم المشتركة. وفي إحدى المراحل كانت عمل البعثة يجري بشكل أسرع من المفاوضات، وكان ذلك جيدا أيضا للأناس الآخرين ليروا ويدركوا أنه سيتم التوصل إلى سلام. هل يعتبر هذا مثالا على “النهج الشمولي” للوساطة في السلام والذي قمت باستعماله من أواسط عام 2003؟ نعم. وبالطبع هذه مسألة انخراط الجميع. لا تتجاهل أي شخص أو تتركه خارج العملية. ولكن انخراط الجميع يعتبر أمرا عسيرا إذا أراد الطرفان أن يكونا هما المفاوضان الوحيدان. بالطبع. ولكن ما أقوله هو دعوة الجميع للاستثمار في الأفكار، وليس دعوة الجميع إلى طاولة التفاوض. فبعد بروتوكول مشاكوس أراد الجميع الاشتراك في العملية: الفرنسيون والهولنديون والجنوب أفريقيون وجامعة الدول العربية. ولكن كان يجب غلق الأبواب. لذلك قلت إن كان الطرفان قد وافقا، إذن يمكن قبول من يريد الاشتراك في العملية. ولكن الطرفان قالا “اسمع، أنت تلقي بهذه المشكلة على عاتقنا ونحن لا نرغب حقا في أن نبدو وكأننا نرفض الجميع. ولكن إليك ما سنفعله: تقوم أنت بإرسال أي جهة تريد التقدم للاشتراك، ونحن لن نرد”. وعليه كنت أخبر من يريد التدخل في العملية “إنني لازلت أنتظر رد الطرفين”. وكانوا يسألونني أي طرف أنتظر كي يتمكنوا من التعامل معه، وكنت أقول “إن كلا الطرفين لم يردوا”. ولكن هناك أناس آخرون من داخل السودان أرادوا أن تُسمع أصواتهم ... آه، نعم، المجتمع المدني، الجميع. وأراد علي عثمان طه وغارانغ أيضا إشراك أكبر عدد ممكن من الناس بعد اتخاذ أي قرار حتى يتمكنوا من قبول الفكرة. وقاما بإشراك العديدين كلما كانا يوقعان على أي اتفاقية: الجنرالات من أجل ترتيبات الأمن، والأخصائيين الاقتصاديين من الطرفين عند توقيع اتفاقية تقاسم الثروات. ولكن ما سبب عدم إشراك حركة تحرير السودان وحكومة السودان لأي مجموعة أخرى؟ لا أدري. لقد اتفقت حركة تحرير السودان الموحدة والتيار الرئيس في حركة تحرير السودان في عام 1994 على التفاوض من جانب واحد على طاولة المفاوضات. لذلك أعتقد أن ذلك كان هو السبب الرئيس وراء تفاوض الحكومة مع حركة تحرير السودان، التي كانت أكثر القوى إقناعا في ذلك الوقت. ولكن بالطبع اتفاقية السلام الشامل ليست شاملة. فكلمة شامل تعني لي كل السودان. ولكن ذلك لم يطرح على الطاولة أبدا فالحكومة لن تسمح بذلك. وفي كل مرة حاولت أن أثير هذا الموضوع، كانوا يقولون “آه، أتريد أن تأتي وتفض جميع صراعاتنا؟ تعال إلى دارفور، تعال إلى شرق السودان، فلدينا قدر كاف من المشاكل. تعال إلى الشمال، حيث لدينا الكثير من المشاكل!”. ولكن الاتفاقية تعتبر أكثر شمولا من أي اتفاقية تم التوصل إليها من قبل في السودان، حتى اتفاقية عام 1972، والسبب أن هذه الاتفاقية تتمتع بقسم إجراءات التنفيذ الذي يفصل من، وأين ومتى يتم ذلك. بالنظر إلى الوراء إلى العملية الآن، ماذا كنت لتفعل على نحو مختلف؟ ألا أضيع الوقت مع أناس ليس لديهم التفويض. وسأطلب من الطرفين تحديد القضايا ولكن بعد ذلك أقوم سريعا بتحديد ما يستطيعون اتخاذ قرارات بشأنه وما لا يستطيعون اتخاذ قرارات بشأنه، وأن أرفع العملية إلى المستوى الذي يمكن عنده اتخاذ القرارات بالفعل. كنت سأتوجه بالمحادثات إلى أرض الواقع مبكرا لمعرفة ما يريده الناس، وهو أمر لا يكون مماثلا بالضرورة لما يقدمه الفريق المفاوض. وأخيرا، يجب أن تختار خطاك بعناية فائقة. ويجب عليك أن تقرأ طريقة مصالح المجتمع الدولي مسبقا، لأنك إذا لم تفعل ذلك، فإنك تخاطر بالتصادم معهم وبخسارة دعمهم. ما الذي توصي به الشركاء الدوليين في أي عملية سلام أخرى: كيف يمكن أن يدعموها بأفضل السبل؟ ساعد الطرفين على بناء قدراتهم الخاصة ليتفاوضوا للوصول إلى اتفاقيات ذات مصداقية. ويجب أن يأتي التصور من الطرفين أنفسهم فضلا عن عدم وجوده. لقد طلب مني الطرفان في مرحلة سابقة أن أعد الوثائق لكليهما، حتى ينسبوها إلى أمانة السر بدعوى أنها لم تكن موقفهم. لقد كانوا قلقين من أن تتهمهم شعوبهم بالتنازل عن حقوقهم. ولكني علمت هذا واعتدت على إرغام الطرفين على كتابة الوثائق المتعلقة بالقضايا. وفقط بعد أن قدما لي مواقفهم المتطرفة، كنت أحاول أن أقربهم من بعضهم البعض. وكان كل طرف يخبرني أنهم قد يقبلوا، ولكن ليس أمام الطرف الآخر. وكنت أدعو اثنين من كل طرف وأبدأ طرح الأوراق، وكان كل طرف يقول “كلا، هذا ليس موقفنا!” وكنت أنا أقول “أعلم، ولكن هذه مواقفكم المتطرفة، وقد حاولت أن أفكر في كل منكما عندما كنت أخط هذا الموقف”، لذلك كانوا يقولون “حسنا، إذا كان هذا موقف الأمانة العامة، فإننا سنفكر مليا فيه.” ولكن يجب عليك أن تجبرهم على امتلاك الاتفاقية، ويجب عليك أن تبني قدرتهم. فحتى الحكومات ليس لديها القدرة أحيانا. أو أنهم يرسلون قواتهم التي تعرقل العملية. فإنك تحددهم ولا تضيع وقتك في محاولة زحزحة مواقفهم لأنهم موجودون هناك لعرقلة تقدمك. هل هناك أي دروس أخرى للوسطاء؟ أنا شخصيا وجدت أمر الإدارة والتوسط مرهقا، ولكنك إذا كنت تتوسط، يجب عليك أن تعلم كم قدر المال المتوفر لديك، والفترة التي تستطيع خلالها جدولة الاجتماع، ولكن الاجتماع لا تنتهي في الوقت المحدد أبدا. ويجب أن يكون لديك احتياطي كبير وعلاقة جيدة ومصداقية مع الجهات المانحة وأن يكون لديك اعتبار لأموالهم. ويعتبر الفريق أمرا هاما، ففي الصومال كان لدى بيثويل كبلاغات فريقا ضخما ولم يستطع أن يبرر بسرعة صرف الأموال مع موجود هذا العدد الكبير من الناس. أما أنا فقد كنت أتعامل مع عدد قليل من الناس لكي أقدم تفسيرا لصرف الأموال، ولم أكن قلقا من ناحية المال، لأننا وقعنا على اتفاقية ميزانية وبالتالي كانت الجهات المانحة تقدم المال من خلال منظمة جي تي زد الألمانية، وقمت بتبرير صرف الأموال عن طريق نفس المنظمة. ولقد كان التمويل مفتوحا إلى حد ما، ولكن بالطبع لم يتوقع أحد أن تستمر العملية لمدة ثلاث سنوات، وأولهم موا، الذي أراد لها أن تتم في غضون سنة واحدة.
|
||
| © Conciliation Resources | Legals | Site Map Registered Charity No: 1055436 173 Upper Street, London, N1 1RG, UK Tel: +44 (0)20 7359 7728 Fax: +44 (0)20 7359 4081 email: cr@c-r.org |