Turn Graphics On

A returned Sudanese woman works the land in Paluer, western Upper Nile, April 2004.

سودانية عائدة تعمل في الحقل في بالور، غرب النيل الأعلى، أبريل 2004.

رويترز/ سادو سيغيتي

يعمل الدكتور عمر عجيمي في برنامج الأمم المتحدة للتنمية في الخرطوم وقد نشر كتابات كثيرة حول النزاع القائم على الموارد.

الأرض وعمليات السلام في السودان

عمر عجيمي

لقد شهد العقدين الماضيين انشغالاً لم يسبق له مثيل بقضية تملك الأراضي في أفريقيا جنوب الصحراء ويعرف عن هذه المشكلة أنها أحد العوامل البنيوية التي تساهم في الفاقة والعنف. وكما هو الحال في أنحاء أخرى، فإن الأرض في السودان ليست فقط وسيلة من وسائل البقاء أو الكسب المادي، ولكنها تتمتع بأبعاد ثقافية واجتماعية وسياسية عميقة. ومؤشراتها السياسية حادة بشكل كاف لدرجة أن عمليات السلام في السودان لم تجرؤ على تناول مسألة الأرض من أي بعد، مما أدى إلى تأجيل كثير من العمل إلى مرحلة ما بعد الاتفاق. لذلك تمت التضحية بأحد الأسباب الجذرية الأساسية للنزاع في سبيل الملائمة السياسية لتظل القضية عالقة لكي لا يتعرض الوقف الفوري للأعمال العدوانية لأي خطر.

الأرض في اتفاق السلام الشامل

منذ عهد الاستعمار، عملت القوانين ونظم الحكم المتعاقبة على تقويض حقوق الأرض للمجتمعات الريفية، خاصة صغار المزارعين والرعاة. وأشهر هذه القوانين هو قانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970 (انظر مقال منى أيوب)، والذي آلت بموجبه الأراضي غير المسجلة (كل أراضي السودان المطرية) إلى الدولة بحيث لا يمكن تملكها من خلال الاستخدام طويل الأجل، كما شجع رعاية الحكومة للأرض كوسيلة ضمان لتعزيز السلطة السياسية.

الأمر المشجع أن اتفاق السلام الشامل الذي عقد في شهر يناير 2005 والدستور الوطني المؤقت يشكلان دافعا لوجود سياسةامتلاك ا للأرض مسئولة اجتماعياً وإجراء تغييرات مناسبة على التشريع، خاصة وأن اتفاق السلام الشامل يدعو إلى دمج القوانين العرفية وإقامة أربع مفوضيات للأراضي (المفوضية القومية، ومفوضية لجنوب السودان، ومفوضية لكل من ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق) وذلك للتحكيم في الادعاءات وتقديم التعويضات المالية والتوصية بسياسيات إصلاح قوانين الأراضي.

ومع ذلك ورغم إقرار الإتفاقية بأن القصد من اتفاق السلام الشامل ليس مخاطبة “ملكية الأرض والموارد الطبيعية الجوفية” في أي من مناطق السودان، إلا أن الاتفاق يبدو أنه يعترف ضمنيا بالإجراءات الحالية لامتلاك الأرض كأمر واقع، ولا يبدو أن أي من الموقعين على الاتفاق (حزب المؤتمر الوطني الحاكم وحركة تحرير السودان) مهتم بإنشاء مفوضيات الارض، ربما ذلك من أجل حماية مصالحهم الخاصة في الأرض (خاصة فيما يتعلق بالنفط).

وإلى جانب قضايا الإرادة السياسية وملكية الأرض هناك العدد من المشاكل الأخرى التي تواجه المفوضية القومية للأرض:
· المفوضية مفوضة لعمل التوصيات لكن هذه التوصيات ليست إلزامية لأي من طرفي الإتفاقية أو لسياسة الحكومة.
· اتفاق السلام الشامل لا يوفرالضمان لإمكانية تمثيل الرعاة والمزارعين والذين ينتفعون بالأرض في المفوضية.
· إجراءات تقديم طلبات المطالبة بالحقوق أو إعادة تقديمها أو جعلها شرعية أو معارضتها غير واضحة، مثلاً هل يجب تقديم هذه الطلبات فرديا أم جماعيا؟ وفي حال كان التقديم جماعيا، من سيمثل المجتمعات وعلي أساس من المشروعية؟.
· إن كلا من اتفاق السلام الشامل والدستور الوطني المؤقت لا يوضحان صراحة إذا كانت المفوضية القومية للأرض ستكون مركزية أم لا مركزية.
· بينما يعترف اتفاق السلام الشامل بالحقوق العرفية، فإن العلاقة بين الإدارة الأهلية (أهم مؤسسات النظام العرفي والتي من مسئوليتها تنظيم الأرض وإدارة النزاعات الدائرة حولها) والهياكل الحكومية الأخرى هي كذلك علاقة غير واضحة.
· تتهم المؤسسات العرفية القائمة مرارا وتكرارا بالضعف وبأنها غير ديمقراطية وإقصائية (عدم تمثيل المرأة).
· يحق لكل ولاية وحسب الاتفاقية تطوير مواردها الطبيعية وحفظها وإدارتها، غير أن هذه الولايات تفتقر الي الأطرالمؤسساتية التي من شأنها ان تحقق الاستخدام الأمثل والعادل والمتكافئ لإدارة الأرض والموارد الطبيعية.
· في منطقة أبيي، رغم وجود آلية محلية للتنمية للعامل مع الأرض (صندوق أبيي لإعادة التوطين والإعمار والتنمية) واعتراف اتفاق السلام الشامل بالحقوق التاريخية للمسيرية في الوصول لمواردهم الرعوية التقليدية، فإن بروتوكول فض النزاع في منطقة أبيي وهيئتها الإدارية الرئيسية (المجلس التنفيذي المحلي) لا يخاطبان قضية الأرض.
· محدودية الوعي العام حول اتفاق السلام بشكل عام ومفوضيات الأرض بشكل خاص.

مشاكل اتفاق دارفور للسلام

إن اتفاق دارفور للسلام (مايو 2006)، حاله كحال اتفاق السلام الشامل، يؤسس مفوضية للأرض، والتي بدورها تواجه تحديات جمة. أولا بينما بعترف اتفاق دارفور للسلام بالحقوق المتصلة بالحواكير (أراضي خاصة ببعض العشائر أو الجماعات القبلية)، إلا أنه لا يخاطب النزاع الذي ينشب بين من يمتلكون حاكورة ومن لا يمتلكون (السلطات الاستعمارية لم تخصص حواكير للقبائل الصغيرة التي ترعى الجمال في شمال دارفور على سبيل المثال). ويجب على أي تسوية عامة للأرض في دارفور أن تضع في الاعتبار حقوق من لا يمتلكون الحواكير، خاصة وأن النزاع الحالي قد مزق النسيج الاجتماعي وفسخ العلاقات التاريخية التي كانت تضمن حق الوصول إلى الأرض والموارد والاستفادة منها .

ثانيا لقد بدا واضحاً أن هناك انتقالا ملحوظا في البني الاجتماعية في إقليم دارفور، حيث يكافح زعماء القبائل للحفاظ على شرعيتهم وسلطتهم في وجه هيكلية منبثقة يسيطر عليها المتعصبون سياسياً من صغار السن والذين يعارضون زعماء القبائل ويتهمونهم بتسييس النزاع والتلاعب بشعوبهمز ويثير هذا مخاوف عميقة حول الترتيبات المؤسساتية اللازمة لإدارة الموارد والنزاعات على المستوى المحلي، مع فشل اتفاق دارفور للسلام في وضع اطار للتصالح بين الادعاءات المعارضة للمؤسسات التقليدية وتلك المنبثقة حديثاً.

ثالثا، قامت لجنة تحديد وتخريط المراحيل في دارفور، والتي تم تأسيسها بقرار رئاسي في أواخر عام 2005 (قبل توقيع اتفاق دارفور للسلام)، بإنهاء مهماتها الموكلة إليها، ولكن توصياتها تجد معارضة شديدة. وقد عبر المستقرون (المزارعون)، وغالبيتهم في معسكرات النازحين حالياً، علنا بأنهم لا يعترفون باللجنة أو بنتائجها على أساس أنه لم يستشرهم أحد ولم يتم تمثيل آراءهم. ويرون في تكوين وعمل اللجنة مؤامرة من قبل المركز لتوزيع أراضيهم على الرعاة “العرب”. ورابعا، عملت الفظاعات التي ارتكبها الجنجويد، وينظر إليهم جميعا كرعاة ابل (أبالة)، على خلق مفهوم سلبي عالميا عن الرعاة ورغم أن الأبالة أنفسهم يبدون جاهزين لافشال أي تسوية للأرض لا تنظر في حقوقهم التاريخية في الوصول إلى الأرض والموارد الطبيعية.

الخلاصة

إن زيادة السكان، وحركاتهم واسعة النطاق وتغير المناخ اجتمعت لتقوي المطالبة بالأرض والمنافسة عليها إلى جانب الموارد الطبيعية الأخرى في كل أرجاء السودان. لقد انهارت الطرق التقليدية لملكية الأرض وإدارة الموارد الطبيعية، ولكن بدلا من استغلال الفرصة لتناول مظالم الماضي وتقديم موقف آمن لامتلاك الأرض للمجتمعات الريفية، أخفق كل من اتفاق السلام الشامل واتفاق دارفور للسلام في فض التنافس حول الموارد الطبيعية والذي يشكل لب النزاعات الحالية.

إذا كانت هناك أي فرصة لسلام مستدام، يجب أن يكون هناك تغيير في الأطر القانونية والقضائية والسياسية التي تحكم إدارة الأرض، كما يجب تحديد الادوار (الدولة، الادارة الاهلية، والقوى السياسية الناشئة حديثا) بوضوح لكي يتسنى الوصول إلى أنظمة وهيكليات شاملة ومتكاملة تتناسب والواقع المعقد للبيئة السودانية. وللأسف فإن كل من اتفاق السلام الشامل واتفاق دارفور للسلام لا يُصلحان بكفاءة العلاقة بين الدولة والمجتمع والتي بدونها لن يطرأ تحسن ملموس يضمن حق الوصول إلى الأرض والموارد العامة ومن ثم السلام الاجتماعي.

 

Top | Sudan | Contents