Turn Graphics On

Crowds gather in Khartoum in July 2005 as John Garang is sworn in as Vice-President.

حشود مجتمعة في الخرطوم في يوليو 2005 في مناسبة أداء جون غرنغ القسم كنائب رئيس الجمهورية.

سفين تورفين/ بانوس للصور

مارك سيمونز هو مدير الأبحاث والبرامج في كونكورديس الدولية، بينما يشغل بيتر ديكسون منصب المدير التنفيذي.

مقدمة

مارك سيمونز وبيتر ديكسون

لقي توقيع اتفاق السلام الشامل في نيروبي يوم التاسع من يناير 2005 ترحيباً واسعاً من الرؤساء والقادة حول العالم باعتباره فجر عهدٍ جديد في السودان. ووصف الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني المشهد قائلا: “لقد رأينا هنا حقيقة السودان عندما كانوا يرقصون، لابسو العمائم والمتزينون بريش النعام. كيف يعيشون معاً ويحترم كل منهم ثقافة الآخر؟ كانت هذه هي مشكلة السودان.”

وبعد مضي سنتين على توقيع الاتفاق لا يزال من غير الواضح إذا ما كان السودان قد اقترب أكثر من الإجابة على تساؤل الرئيس موسيفيني. ولكن هناك خطأ في السؤال بحد ذاته ففي ملاحظة الرئيس الأوغندي نجد ضمنياً النزعة الشائعة لتوصيف الصراع بشكل مبسط على أنه صراع بين العرب والأفارقة، لكن حقيقة الأمر أن الحرب بين الشمال والجنوب هي جزء من شبكة ِأوسع من الصراعات تشمل المطالب والادعاءات المتضاربة لمجموعات متعددة بحقوقها في الأرض أو المياه أو الموارد الطبيعية أوالنفوذ السياسي أو الهوية الثقافية.

بالإضافة لذلك فإن اتفاق السلام الشامل هو اتفاق ثنائي بين حكومة السودان والحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان ولا تشكل البداية ولا الخاتمة لحكاية صنع السلام في السودان، فالاتفاق والدستور المؤقت الذي تبعها لا يمثلان تسوية شاملة بل عاملاً واحداً – وإن كان الأهم – ضمن مقاربة تدريجية (على مراحل) لصنع السلام. يمثل الاتفاق إطار عمل مفيد لحل نزاع الشمال والجنوب ولكنه لا ينظر إلى الصراع كنتيجة لعلاقة المركز المحيط ولم يفسح المجال لإشراك جهات أخرى من السودان ولم يؤدي إلى إحلال سلام شامل ولذلك يعنى هذا العدد من أكورد (Accord) أيضاً بحروب السودان الأخرى.

لا مفر لأية عملية تحليل لأي عملية سلام أن تكون مجرد لقطة لعمل قيد التطور، ولربما كانت كلمة “التطور” تحمل معنىً أكبر مما ينبغي لها فدوام اتفاق السلام الشامل ما يزال بحاجةٍ إلى إثبات في حين يستمر عدم الاستقرار في الجنوب وتبدو اتفاقية دارفور للسلام في حالة انهيار وما يزال من غير الواضح مدى فعالية اتفاقية سلام شرق السودان التي وقعت في تشرين الأول (أكتوبر) 2006. ويبحث هذا العدد من أكورد (Accord) في بعض الأسباب الجذرية للنزاع في السودان ويرسم صورةً لنواحي عمليات السلام الأخيرة ويطرح تساؤلاً حول ما الذي تبقى لفعله لبناء سلام شامل.

قضايا تاريخية وخلفية النزاع

نبدأ بتفحص سببين أساسين للنزاع: التطور السياسي التاريخي والأرض، فيقدم لنا عطا البطحاني في بحثه في خلفيات النزاع في السودان نبذة حول كيفية إسهام تاريخ طويل من سياسات الاستغلال والتدخل منذ الحقبة الاستعمارية في إذكاء حروبٍ امتدت لعقود، وتبين مقالة منى أيوب التوتر الناتج عن تراجع المفاهيم التقليدية لاستخدامات الأراضي بسبب الأطر القانونية الحديثة.

تقييم مسيرة الشمال والجنوب

يركز القسم الرئيسي الأول من هذا العدد على المفاوضات المطولة بين حكومة السودان والحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان والتي أدت إلى التوصل لاتفاق السلام الشامل والذي يعتبر إلى حد ما أكثر الاتفاقيات شمولية من بين اتفاقيات السلام التي تم التوصل إليها مؤخراً في السودان. ويبدأ هذا القسم بآراء المفاوض الحكومي محمد مختار حسين ومفاوض الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان سيرينو هيتنغ أفوهو حول العوامل التي سمحت لعملية منظمة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية) بردم الهوة بين الطرفين عندما لم يتمكنا من التوصل لتسوية حول مواقفهما المتعارضة حول قضايا الدين والدولة والفدرالية. يرسم كل من الكاتبين صورة مختلفة للعوائق التي أعاقت التقدم قبل عام 2002 ولكن كليهما يبينان – وإن بطرق مختلفة – أن اجتماع عددٍ من العوامل المحلية والدولية جعل من تغيير المواقف أمراً ممكناً.

ويركز عدد آخر من المقالات على هذه الفكرة حول كيفية تجاوز عقبات كانت تبدو في غاية الصعوبة ولا يسعنا هنا إغفال مقالة وسيط منظمة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية، لازارو سومبيو التي تتعمق في العملية التي أدت إلى توقيع اتفاق السلام الشامل. عمل السيد سومبيو بجد على تطوير فكرة تبني المفاوضات على المدى البعيد من قبل الطرفين السودانيين متبنياً موقفاً قوياً في مواجهة محاولات أطراف دولية فاعلة للتأثر على مضمون وتوقيت الاتفاق. كان أسلوب عمله الدبلوماسي أسلوب جندي فقد تميز بالقيادة والتنظيم الحازمين ولذلك كان مناسباً لعملية سلام وضعت للتعامل مع المجموعتين المسلحتين الأكبر في البلاد. ومن جهة أخرى يمكن للتركيز المفرط فقط على القوة العسكرية وحتى الاقتصادية أن يؤدي إلى إهمال بعض العناصر الأخرى الأقل وضوحاً في بناء السلام والتي يمكن أن تزيد من فرص السلام على المدى البعيد وبشكلٍ خاص فإن الإسهام المحدود لأطراف سودانية أخرى عدا عن الطرفين المتفاوضين في تطوير اتفاق السلام الشامل يحد من مداه.

إلا أن صبر لازارو سومبيو والتزامه بعملية السلام ساعدا على التوصل إلى اتفاق يعد علامة تاريخية بارزة. ويكمّل رؤيته للموضوع ما يقدمه فنك هايسوم – وهو أحد مستشاريه – والذي يقدم وصفاً لبعض استراتيجات الوساطة التي اتباعها. والأهم من ذلك تشديد فنك هايسوم على أهمية العملية بدلاً من النص – والوقت التي تحتاجه العملية لتنشأ وتتقدم – إذا ما أرادت الأطراف المعنية تنمية الإرادة السياسية والثقة والمسؤولية المشتركة لمشروع بناء السلام.

قضايا شائكة

\وكما يذكر هايسوم كلما شعر الوسطاء أنهم تجاوزوا إحدى العقبات كانت تظهر عقبة أخرى، وظهر هذا جلياً في بروتوكول تقاسم الثروات الذي تم التوصل إليه في يناير 2004 والذي تضمن قضية صعبة حول كيفية التعامل مع احتياطات السودان الوافرة من النفط والتي تتركز بشكلٍ أساسي في حقول النفط الجنوبية. ويصور لنا جوستين تلنيس مدى صعوبة تأجيل القرارات حول ملكية الموارد الباطنية حتى تتمكن الأطراف من التركيز أكثر على المسائل القابلة للقسمة من تقاسم العوائد وإدارة قطاع النفط وبالتالي التوصل إلى نوع الاتفاق. إحدى القضايا الشائكة الأخرى التي كان من الصعب مناقشتها وجهاً لوجه كانت مسألة المناطق الثلاث وهي مناطق تقع شمال حدود عام 1956 ولكنها ذات ارتباط وثيق بالجنوب وهي: آبيي وجبال النوبة والنيل الأزرق الجنوبي. يوضح جيسون ماتوس التعقيدات التي شملها التعامل مع هذه المناطق ويشير إلى أن إرجاء حل قضايا النزاع الأساسية إلى مرحلة التطبيق يستدعي تنفيذاً قوياً وجاداً. فبينما يوصف بروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق الذي تم التوصل إليه في أيار (مايو) بأنه نموذج لحل مثل هذه النزاعات في أماكن أخرى من السودان إلا أن أحكام هذا البروتوكول لا تبدو فعالة حيث أن التطبيق يتباطأ ويتركز الاهتمام الدولي والمحلي على دارفور ومايزال الدمج السياسي ضعيفاً ويبدو أن الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان وحزب المؤتمر الوطني ما يزالان يسيطران على بعض المناطق.

إحدى القصص الأخرى التي تتمحور حول عمليات السلام التي تتميز بالابتكار ولكن يكون التطبيق فيها سيئاً تأتينا من تاج السر محجوب، فقد قادت كل من حكومة السودان والحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان عملية تخطيط متعمقة لإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع بشكلٍ موازٍ للمراحل الأخيرة من المحادثات. وساهمت منظمة الأمم المتحدة والبنك الدولي – والذين أدركوا من الدروس المستفادة في أفغانستان وأماكن أخرى من العالم أهمية الحاجة لمقاربة كلية لبناء السلام ما بعد النزاعات – في تشكيل مهمة تقييم مشتركة. وكان إطار العمل الذي تم التوصل إليه للسلام والتنمية ومحاربة الفقر شاملاً ولكن كما يبين تاج السر محجوب بينما تولت الأطراف المتفاوضة الأدوار القيادية في عملية مهمة التقييم المشتركة التفصيلية تشير سجلات التطبيق السيئة إلى وجود «ملكية محلية» أقل من مما ظهرفي البداية، وقد تظهر ذات المصاعب عند تطبيق عملية مهمة التقييم المشتركة المشابهة – وإن كانت غير مرتبطة – المتوقعة في اتفاقية دارفور للسلام.

السلام للجميع؟

يتطرق القسم الرئيسي الثاني من هذا العدد إلى النواحي التي ميزت العملية التي أدت إلى اتفاق السلام الشامل بعنصر الاستبعاد من حيث استبعاد مناطق ومصالح وجماعات ومفاهيم وأفكار معينة ويطرح التساؤل حول ما يعنيه ذلك بالنسبة لبناء السلام.

ا لأطراف والمناطق الأخرى

منذ البداية تم تصميم عملية السلام برعاية الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية على أنها بين القوى التي تقف خلف أكبر قوتين مسلحتين في البلاد، ويجادل الصادق المهدي وهو رئيس الوزراء السابق وزعيم أحد الأحزاب السياسية الكبرى المستبعدة أن الطبيعة الثنائية للمفاوضات أدت حتمياً إلى اتفاق ودستور ناقصين، ويرى أن إيجاد نظام حكومة يكون فيه مشاركة أكبر ويكون عرضة للمحاسبة والمساءلة أكثر مما يسمح به الدستور المؤقت الحالي هو الضمان الوحيد لمستقبل سلمي للسودان وفي ظل الظروف الحالية لا يمكن التوصل إلى ذلك دون تدخل دولي ذو ثقل.

كل هذه الخيوط تجتمع في النزاع في دارفور، مع تركز الاهتمام الدولي على اتفاق السلام الشامل لم يكن هناك سوى القليل من الضغط على الأطراف المتحاربة في دارفور لاحترام اتفاق وقف إطلاق النار رغم أن النقمة لمأساة شعب دارفور أدت في النهاية إلى جلب قوة حفظ سلام تابعة للاتحاد الإفريقي وبدء محادثات بقيادة الاتحاد الإفريقي والتي تركزت بشكلٍ رئيسي في أبوجا. نتج عن هذه المفاوضات في مايو 2006 اتفاق وقعته مجموعة واحدة فقط من متمردي دارفور ومنذ ذلك الوقت تلاشى قبول الاتفاق فعلياً على الأرض بشكلٍ أكبر.

وتسلط ثلاث مقالات مختلفة لوسطاء شاركوا في عملية أبوجا المزيد من الضوء على هذا الموضوع، فيبين كل من جوليان هوتنغر ولوري نيثان افتقار الأطراف لملكية النص كعنصر هام في افتقار الاتفاق للمرونة. تركز لوري نيثان على دبلوماسية المواعيد النهائية وقدرة الاتحاد الإفريقي على إنشاء الثقة بين الأطراف وضمنها بحيث يتمكنون من التفاوض مع بعضهم البعض بدلاً من فريق الوساطة. من ناحية أخرى يركز جوليان هوتنغر على استخدام اتفاق السلام الشامل كنموذج للمفاوضات رغم الاختلاف في طبيعة النزاع مما يعطي الثوار انطباعاً خاطئاً بأن بإمكانهم الحصول على اتفاق سلام شامل يخصهم بينما في واقع الأمر يحد اتفاق السلام الشامل بذاته من نطاق أي مكاسب يمكن التوصل إليها. يلتقط أليكس دي فال هذا الخيط – موضحاً القيود المفروضة على الوسطاء في مقاربة صنع السلام خطوة بخطوة – ولكن يقترح أن اتفاق السلام الشامل يمكن أن يقدم لحركات دارفور وسيلة لتصبح جزءاً من عملية وطنية مشتركة لبناء المشاركة الديمقراطية.

وتتوفر نفس الفرصة في شرق السودان حيث يصر كل من مؤتمر بيجا وأسود رشيدا الحرة على حقهم في مفاوضات منفصلة بعد أن وقع التحالف الوطني الديمقراطي (وهو ائتلاف عدة مجموعات كانا جزءاً منه) اتفاق القاهرة في حزيران (يونيو) 2005 مع الحكومة. وقد أدت مبادرة سابقة للمفاوضات إلى محادثات رسمية كاملة والتي بدورها انتهت إلى اتفاقية سلام شرق السودان في تشرين الأول (أكتوبر) 2006. وخلافاً لاتفاق السلام الشامل واتفاق دارفور للسلام أنجز اتفاق سلام شرق السودان إلى حد كبير دون تدخل دولي (ما عدا وساطة الحكومة الإريتيرية)، ويجب الانتظار لرؤية إذا ما كان هذا سوف يجعل من الأسهل تطبيقه أو يؤدي إلى غياب الحوافز أو المراقبة. فيما يتعلق بنطاقه وانسجامه مع اتفاق السلام الشامل فإن اتفاق سلام شرق السودان يكمل اتفاق القاهرة وإذا ما أخذ على محمل الجد من قبل الأطراف المتفاوضة ومن يمثلونهم – وإذا ما دعم بتحسين إمكانية الوصول إلى الفرص الاقتصادية والتعليمية والسلطة السياسية – يمكن لهذه الاتفاقات أن تكون جزءاً بناءً في أحجية مسيرة صنع السلام في السودان.

بعيداً عن صنع السلام النخبوي

إذا كانت المشاكل الأساسية في دارفور هي انعدام الثقة والتركيز على المساومة على الحصص في السلطة السياسية فإن المشاركين في مبادرات السلام غير الرسمية يجادلون بأن تطوير هذه الثقة والبحث بشكلٍ أعمق عن حلول هي من بين أدوار الدبلوماسية المستترة وغير الرسمية والبعيدة المدى أو ما يسمى دبلوماسية المسار الثاني. و يحاول مقالنا حول مبادرات السلام غير الرسمية هذه تعقب تاريخ هذه الناحية من عمليات السلام في السودان. ورغم فعالية التدخلات غير الرسمية والمستدامة إلا أنها غير موثقة ولا تكون دائمة منسقة بشكلٍ جيد مع عمليات الوساطة الرسمية ولكن الدلائل المروية والخبرة تقنعنا أن العلاقات التي تبنيها غالباً ما تكون هي الملاط الذي يمسك هذه الاتفاقات ويثبتها.

ومثل دبلوماسية المسار الثاني فإن صناعة السلام الشعبية ومبادرات المجتمع المدني لها – أو يجب أن يكون لها – دور أساسي تلعبه في أخذ عملية السلام إلى ما هو أبعد من نطاق النخب السياسية، ويتفحص مقالا بول ميرفي وحسن عبد العاطي عن كثب الأنشطة التي تنمي حكماً سليماً ومنصفاً كأساس لمجتمع يتمتع بالسلام. يركز حسن عبد العاطي على المجتمع المدني الشمالي – والذي كان قوة مؤثرة أثناء فترة الاتحادات التجارية القوية ولكنه قيد وحصر في العقود الأخيرة ولم يمنح إلا القليل من مساحة التحرك للتأثير على عمليات السلام – ويبين التحديات التي يجب على المجتمع المدني مواجهتها للمساعدة في بناء السلام. ويكتب بول ميرفي انطلاقاً من خبرته في إدارة صندوق سلام السودان الذي دعم مشاريع متنوعة لبناء السلام بما في عملية السلام الشعبية للناس» والتي انبثقت أساساً من مجلس كنائس السودان الجديد لمصالحة مجتمعات الجنوب والأطراف السياسية المنقسمة. ولمتابعة السلام يدعو إلى قيادة أفضل لربط المبادرات المختلفة وتحويل مثل هذه المبادرات إلى مؤسسات ضمن هيكلية حكومية جديدة.

كثيراً ما تم تجاهل الدور الفعال للنساء في الحرب والسلم أو التقليل من شأنه سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. وتحاول المفاوضة السابقة عن الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان آن إيتو مناقشة هذه المشكلة بتقديمها لدور المرأة في النزاعات وفي صنع السلام مجادلة أن النساء كن أكثر من مجرد ضيفات على طاولة عمليات صنع السلام السودانية. مع أنها تظهر أن توقعات النساء لم يتم الإيفاء بها بشكلٍ كامل في الاتفاقات النهائية رغم حضورهن في نيفاشا وأبوجا إلا أنها تبين الفرص المتاحة لدور أكثر فعالية للمرأة في سياسات السودان ما بعد الاتفاقات. بعيداً عن نطاق الأنشطة الشعبية يمكن أن يوصف اشتراك العديد من النساء في عملية السلام في أفضل أحواله بأنه كان غير متجانس وبمبادرات شخصية منهن. ومع أن مقال تانيا كايسر يركز على مخيم لاجئين محدد ذو نسبة عالية من شعب الأتشولي والذين لم تاريخياً من المساندين للتيار الرئيسي للحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان إلا أنها تعرض لإدراك الجنوبيين العاديين لما يعنيه اتفاق السلام بالنسبة لهم.

هناك قضيتان مشحونتان سياسياً لم تتم معالجتهما بشكلٍ كامل في اتفاق السلام الشامل وثبتت صعوبتهما في العمليات اللاحقة في دارفور وشرق السودان وهما قضيتا الأرض والترتيبات الفيدرالية خارج نطاق الجنوب. وتقف الاختلافات الثقافية واستخدام الأراضي والتهميش الاقتصادي خلف الكثير من الجدل حول الفدرالية وتقسيم الأقاليم، مثلاً هل يجب النظر إلى شرق السودان ودارفور كأقاليم بذاتها أو تبقيان مقسمتين إلى عدد من الولايات. يقوم عضو الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان أويت أكوت بعقد مقارنة مثيرة في مقاله بين مفاهيم المناطقية في مختلف مناطق السودان، بينما يناقش أومير إغيمي كيف عالج اتفاق السلام الشامل واتفاق سلام دارفور مسائل استخدام الأراضي واستملاكها. رغم اختلاف عمليات السلام المتعددة إلا أن قضايا من يملك ماذا وبأي سلطة والحقوق والمسؤوليات تبقى مخيمةً على شمال وجنوب السودان.

خاتمة

يبين التحليل الوارد في هذه النشرة إلى أن صنع السلام لا يشمل فقط عملية وحيدة ولكن شبكة معقدة من العمليات والأنشطة المكملة على جميع المستويات من المستوى الشعبي وإلى أعلى المستويات الدبلوماسية والعسكرية. بدلاً من أن يكون صنع السلام في السودان عملية متكاملة ومنسقة تعزز تضمين طيف واسع من أصحاب الحق في المجتمع فقد خدم التفرقة بسبب سياسة التتابع (التعاقب) الحكومية في التعامل مع الثورات جزءاً فجزءاً وإخفاق الجماعات المسلحة في النظر أبعد من مصالحها الفئوية والالتزام بمشروع ديمقراطي وطني. من الصعب إدارة الترتيبات الناتجة والتحكم بها فالسودان كما يقول ماتوس هو بلد ذو سبعة أنظمة. ومع تفهم الحاجة للتركيز على مشاكل العنف الحالية إلا أن مقاربة أشمل وأبعد نظراً تعد ضرورية لأي حالة نزاع. ولم تعطى مثل هذه الرؤية الاهتمام الكافي من المجتمع الدولي أو من داخل السودان على حدٍ سواء. لم يفت الأوان بعد على جهود صنع سلام شامل في السودان ولكن الأطراف السودانية الرئيسية والجهات الفاعلة دولياً يجب أن تدعم مبادرات صنع وبناء السلام الشاملة والمنسقة إذا أريد للسلام أن يصبح حقيقة.

 

Top | Sudan | Contents