| ||
|
جون غرنغ وعلي عثمان طه يلوحان للحشود في الخرطوم، 8 يوليو 2005. رويترز/ محمد نورالدين تأملات في عمل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية للسلام (إيجاد) مقابلة مع نيكولاس هايسوم كيف اشتركت في عملية الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية للسلام؟ لقد طلب مني الوسيط/المنسق السابق للجنرال لازارو سمبييو السفير مبويا أن أدلي برأيي حول كيفية سد الهوة بين الاختلافات القائمة بين حركة تحرير السودان وحكومة السودان حول القضايا التي فرقت بينهم وطبيعة الحل الفدرالي للنزاع في السودان. وعندما تولى الجنرال سمبييو دور الوساطة اعتقد أن بعض من اقتراحاتي مفيدة وطلب مني الانضمام إلى فريقه في مشاكوس في كينيا. وعندما وصلت وجدت أن الطرفين يؤكدان على مواقفهما التي اتخذاها مسبقا وأنهما ملتزمان جدا بأوراق مواقفهما. وأدركت أنا والجنرال أنه كان من المهم إنتاج نص واحد للتفاوض وتحريك الطرفين عن أوراق مواقفهما المتناقضة. وحددنا هذا الهدف كأولوية بالنسبة لنا، ولكن ظل السؤال يدور حول كيفية جعل الطرفين يوافقا على نص واحد. كيف حققت مباحثات مشاكوس تطورا هاما بينما أخفقت المبادرات السابقة الأخرى؟ لقد كانت محادثات مشاكوس تطورا هاما بالفعل، فهي لم توجد أساسا للنص المشترك فقط بل إنها شهدت اتفاق الطرفين على كل من المبادئ والتفاصيل الخاصة بالقضايا التي بدت في السابق كأنها صعبة المراس. أولا فقد اتفق الطرفان اتفاقا موضوعيا على طريقة للتعامل مع العلاقة بين الدولة السودانية والدين. وقد كانت هذه القضية عائقا في المحادثات السابقة بين الطرفين وعملت على منع الطرفين من إحراز تقدما لتناول القضايا الموضوعية الأخرى. وبدا لنا أنه إذا أمكن حل هذه القضية فإن القضايا الأخرى ستنحل على الفور. وثانيا اتفق الطرفان على مجموعة من المبادئ العامة لإدارة دولة سودانية فدرالية. وثالثا اتفق الطرفان اتفاقا هاما على حق جنوب السودان في إجراء استفتاء حول اتحادها المستمر مع شمال السودان بعد انقضاء الفترة الانتقالية التي مدتها ست سنوات. وفي الحقيقة قد شكلت آخر قضيتين عملية مقايضة بين الطرفين، بينما احتوت القضية الأولى على تنازل داخلي من جانب الطرفين. ومن أجل كسر نمط إعادة التصريح مجددا عن المواقف المتخذة في السابق، اقترح الجنرال أن أجري ورشة عمل للطرفين تتعلق بالتعامل مع المفاوضات الدستورية وحل المشاكل. لقد كان شكل ورشة العمل مفيدا بحد ذاته حيث أنها جلبت كلا الطرفين على الجهة المقابلة من المائدة – كمشاركين في ورشة عمل – فضلا عن جلوسهما جلسة عدوانية (عبر المائدة). وبينما كان الموضوع هو تمرين على حل المشاكل قررنا أن نتناول موضوع الدولة والدين، وأن نطلب أصوات الطرفين حول الحلول البديلة، وأن نجعل الطرفين يصنفونها مقابل معايير مشتركة. وباستخدام هذا التمرين كأساس للعمل، قمنا بإعداد نص واحد للتفاوض يعكس تلك المناقشات، ومن البدائل التي تم التوصل إليها أثناء التمرين تمكنا من اقتراح التنازلات والتسويات التي من شأنها تشكيل قاعدة البروتوكول الذي يحتوي على نموذج الفدرالية غير المتماثلة. ومن الجدير بالذكر أن الطرفين كانا على وشك التراجع عن التوصل إلى اتفاقية حتى اللحظات الأخيرة، وبدا للوسطاء أن ذلك لم يكن بسبب المقترحات المطروحة ولكن بسبب عدم الثقة بين الطرفين، وخوف من طرف كبار المفاوضين من أنهم قد تخطوا حدود تفوضيهم. وبعد أن شعرنا بالإحباط قررنا وضع إنذار أخير للطرفين وأن نتركهم في غرفة بمفردهم لمدة ساعة على أن يتوصلوا إلى اتفاق خلالها. وبينما توقعنا أن ينخرط الطرفان مع بعضهما البعض، لاحظنا أنهما شرعا في الاتصال هاتفيا بمسؤوليهم. وأكد ذلك وجهة نظرنا بأن من شروط نجاح المفاوضات أن يشترك المسؤولين – وليس من كانوا حول مائدة المفاوضات آنذاك – في العملية باستمرار. وكما حدث الأمر فقد وافق المسؤولون على المقترحات، وفاجأ توقيع بروتوكول مشاكوس كلا الطرفين والمجتمع الدولي، ونتج عنه تفاؤلا ونشوة من جانب الفريق الوسيط. ولكن كان علينا أن نتعلم أنه كلما وصل المرء إلى قمة التل تظهر جبال أخرى للعيان. كيف استأنفتم العمل بعد مشاكوس؟ بعد إعادة النظر لاحقا في الاتفاقية المبرمة بنجاح فمن المغري النظر في تاريخ المفاوضات كعملية تقدم خطية، ولكن هذا الأمر ليس كذلك حيث كانت هناك الكثير من لحظات العودة للوراء واللحظات غير المتوقعة خلال المفاوضات، فهناك فارق ضئيل بين الفشل والنجاح. وكما يحدث مع المفاوضات الأخرى، فإن عملية الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية للسلام يمكن أن توحي بأن كل حل لأي مشكلة تبدو مستعصية يمكن أن يؤدي إلى بروز اختلافات جديدة ومختلفة على حد سواء وتتطلب الحل. وبينما أشار بروتوكول مشاكوس إلى أن المفاوضات المتبقية يمكن أن تتضمن التطوير الإضافي لمجموعة المبادئ المذكورة في البروتوكول، أصبحت المفاوضات أكثر صعوبة في حقيقة الأمر، حيث تمخض عنها نزاعات غير متوقعة كلما أحرز الطرفان تقدما. وبعد أن عاد الطرفان إلى مائدة التفاوض بعد توقيع بروتوكول مشاكوس، قدم كل طرف للوسطاء مجموعة جديدة من القضايا التي لم يتم طرحها في جولة محادثات مشاكوس. وأخبر أعضاء حركة تحرير السودان قيادتهم أن البروتوكول تجاهل مناطق النزاع الثلاث في الشمال (أبيي، وجبال النوبة، والنيل الأزرق الجنوبي). ولم تحسب هذه المناطق كجزء من الجنوب بشكل ملائم، ولم يتم اعتبارها ضمن اختصاصات الوساطة. ومع ذلك أصرت حركة تحرير السودان على أنها لن تستطيع التوصل إلى اتفاق دون مخاطبة مخاوف أعضائها في تلك المناطق. ومن الجهة الأخرى ازدادت الحكومة إصرارا على أن المفاوضات ستسمر فقط في وجود وقف لإطلاق النار أو للأعمال العدائية. وبرزت هذه القضية إلى السطح عندما تعرضت بلدة توريت لاجتياح راح ضحيتة عدد كبير من الأرواح. وأصبحت المحادثات رهينة لأوضاع أرض المعركة، وفي النهاية عادت عملية الوساطة إلى مسارها على أساس موافقة حركة تحرير السودان على وقف الأعمال العدائية والاتفاق على عقد مفاوضات إضافية حول مناطق النزاع الثلاث وتحديدا برعاية الوساطة الكينية فضلا عن وساطة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية، ولكن برئاسة الجنرال سمبييو. وبمجرد حل تلك القضايا كان من الممكن العودة إلى القضايا الموضوعية، لنكتشف أن كل قضية جديدة كانت أكثر أهمية عن القضايا الأخرى بالنسبة للطرفين. لذلك أُخبرنا بأنه قد لا يتحقق السلام دون وجود قرار حول طريقة لاقتسام عائدات النفط. ولاحقا كان يقال لنا أنه لن يكون هناك سلام إن لم يكن هناك اتفاق حول وضع القوات المسلحة التابعة لحركة تحرير السودان والتعامل معها. ولاحقا لذلك كان يقال لنا أنه لن تكون هناك اتفاقية ما لم يتم الاتفاق أيضا على تفاصيل تنفيذها. وبالنسبة لجو التفاوض، اختبرنا اللجان الفرعية والفرق الفنية، واستمررنا في تطوير الاتفاق في الآراء حول النص المتفق عليه وترك القضايا غير المتفق عليها بالخط العريض. وعندما بدا أن الطرفين كانا يبحثان عن التفاصيل ويرفضان التزحزح عن مواقفهما، كنا نقترح أن يطرح فريق الوساطة مقترح تسوية. وتم قبول ذلك، وبدأ الجنرال وفريقه التنقل عبر معظم أرجاء السودان لجمع آراء كل من الناس العاديين والزعماء في الشمال والجنوب. فهناك مخاطرة كبيرة عند التعجيل باقتراح للوسطاء وكان هذا جليا في محادثات عملية إيجاد للسلام. وعندما كشفنا النقاب عن مقترحنا بدا أننا كنا متقدمين على الطرفين. وعلى الرغم من أن الاتفاقية النهائية كانت تشبه كثيرا اقتراح الوسطاء، إلا أن الطرفين لم يكونا جاهزين للدفع بالتسوية إلى الأمام في وقت تقديمنا لحلولنا، وكان رد فعل الحكومة تجاهها جدا قوي. ونتج عن هذه المسودة توترا بين فريق الوساطة والحكومة ولم يزول إلا بعد أن اتخذت المفاوضات الشكل الجديد الذي تدخل فيه المسؤولون ونائب الرئيس السوداني علي عثمان طه وقائد حركة تحرير السودان جون غرانغ تدخلا مباشرا في المحادثات في شهر سبتمبر 2003. كيف تغيرت المحادثات بوصول طه وغرانغ؟ لقد تجددت المحادثات في ظل هذا الإجراء ومن هذه النقطة كنا ننتهز الفرصة على الأغلب، وتفاوض الزعماء وتملكوا العملية إلى حد ما. وتدخلنا لعمل التلخيص، والمساعدة في صياغة جداول الأعمال، وإعادة كتابة النص، واقتراح التسويات، ولكننا قلما تدخلنا لنقوم بدور لتخطي العقبات العسيرة. لقد شجعناهم على استخدام مستشاريهم الكبار في اللجان الفرعية، ولكن بشرط التزامهم للسعي للتوصل إلى تسويات. لقد احتاج غرانغ وطه بعض الوقت للحاق بركب لب المحادثات وتطوير علاقاتهم الخاصة، وقد كان كلاهما تحت ضغط ليجد كل منهما الآخر، وقد استجابا لذلك. إن جلب الزعماء الكبار كمفاوضين هو أمر محفوف بالمخاطر، وفي جنوب أفريقيا كان هناك خطا واضحا بين المفاوضين الكبار وفرقهم، حيث كانت الفرق تقوم بأعمال المساومة العسيرة، وهذا ما أنصح به في الأحوال العادية، فإذا جلبت الزعماء الكبار وجها لوجه، فماذا سيحدث إذا كانت هناك ورطة؟ حيث يجب أن يكون لقاء القادة هو منتدى الملتجأ الأخير. ما هو الدور الذي لعبه الآخرون خلاف المفاوضين والوسطاء؟ من المدهش كيف انتشرت بسرعة تفاصيل جوهر الاتفاقات، فشبكة الانترنت تسمح باشتراك الناس في الشتات الذين كان لديهم وصول للتطورات التي طرأت على مفاوضات الحكم الذاتي في أماكن أخرى – مثل ما حدث في سيريلانكا. لقد لعب المراقبون والمبعوثون دورا مختلطا، وكان الممثلون الأمريكيون يضغطون علينا لأنهم كانوا عرضة لضغط حقيقي للتوصل إلى اتفاق بسبب السياسيات الأمريكية الداخلية ولكننا احتجنا لهم وعملنا معهم، وقد مارسوا نفوذا قويا. وفي بعض الأحيان كان الطرفان يطلبون منا أن “نحررهم” من العديد من المبعوثين في الحضور، ومع ذلك كان الطرفان بالطبع يجريان ترتيبات للقاءاتهم الثنائية معهم. واشتهر الجنرال بالقسوة مع المبعوثين، وكان يخرجهم من أماكن التفاوض في المراحل الحرجة. ما هي سمات الجنرال سمبييو كوسيط؟ لقد كان جديدا على عمل الوساطة وبالتالي كان يطلب النصيحة من عدد من الخبراء وكان ينصت لها كل الإنصات، وقد قبل الطرفان باستقامته قبولا كبيرا. قد يكون الجنرال جافا، وقد اتهمه البعض بأنه يرمي بثقله السياسي، ولكنهم كانوا يعلمون أنه لم يكن ليتلاعب – وهو إنجاز بارز لأنه في عالم الوساطة المتدنية الثقة يكون الوسطاء متهم من الطرفين لمعرفته بمواقفهم وجداول أعمالهم. وعلى الأصح فقد حاول الجنرال أن يكون ميال إلى التأكيد على العملية وأن يترك الجوهر للطرفين. لماذا كان التوصل إلى مرحلة التوقيع على اتفاقية شاملة عملية طويلة؟ لقد استهلك التفاوض على تفاصيل التنفيذ وقتا أكثر مما رغبه الكثيرون من المراقبين ولكنه كان عاملا أساسيا بالنسبة لنا حيث أن التنفيذ هو الطفل الفقير لمفاوضات السلام. لقد كان الطرفان يستهلان العمل في هذا المشروع الضخم بمستويات متدنية من الثقة وعدم وجود رجل شرطة، لذلك فقد احتاجا لمبادئ توجيهية مفصلة للتنفيذ. وكانت حركة تحرير السودان، كونها الطرف غير الحكومي، هي الأكثر اهتماما من الحكومة بهذا الموضوع ونحن نتفهم ذلك. ولا يمكن لنص أي اتفاقية أن يستبدل الإرادة السياسية، ولكن يمكن لنص الاتفاقية أن يساعد على فرض الانضباط، أو يمكن أن يكون مصدرا للمشاكل من ناحية أخرى، ولكنه فقط يتمادى في ذلك. لذلك تعتبر عناصر العملية هامة جدا في التفاوض لإيجاد الإرادة والثقة والمسؤولية المشتركة عن نجاح مثل هذا المشروع. إن الأطراف لا تؤمن بعملية التفاوض إلا عندما نمر بمرحلة عسيرة أثنائها، ويبدءون في تصور المؤسسات الجديدة، وبعد انتهاء المفاوضات كان على الطرفين أن يتفاوضا معا للتوصل إلى نسخة من الاتفاقية على شكل تعديل دستوري. إن التوصل إلى هذه الاتفاقية بسرعة وبدون تدخل طرف ثالث يشهد على إرادة الطرفين والوسطاء في استثمار الوقت في العملية.
|
||
| © Conciliation Resources | Legals | Site Map Registered Charity No: 1055436 173 Upper Street, London, N1 1RG, UK Tel: +44 (0)20 7359 7728 Fax: +44 (0)20 7359 4081 email: cr@c-r.org |