Turn Graphics On

عمل بول ميرفي في السودان منذ عام 1989 وكان عمل مؤخرا في منظمة ميثاق (Accord) (2002-2005) حيث ترأس صندوق السلام في السودان إضافة إلى ترأسه منظمات سلام تهدف إلى بناء السلام تحت رعاية منظمة ميثاق.

عملية دعم بناء السلام الشعبية الحساسة في جنوب السودان

بول ميرفي

يشكل اتفاق السلام الشامل الذي تم وضعه في كانون الثاني/يناير 2005 خطوة بالغ الأهمية نحو خلق منهج يحكم السودان في دولة يتنوع تركيبها السكاني والثقافي بشكل كبير. يمكن تفهم الشكوك التي تعتري الكثيرين من حيث الثمار المرجوة حيث أن الصراع في السوداني له جذور عميقة تجعل التنازل والمصالحة سبيلا لا بديل عنه. لذا يجب على المواقف والأساليب أن تتغير من أجل تجذير السلام، مما يتطلب عملية تحول أكثر شمولا تتخطى حدود السلام السياسي ثنائي الجانب الذي توسط اتفاق السلام الشامل من أجل وضعه.

يجب التعامل مع العوامل المتوارثة التي ولدت عقود طويلة من الصراع لضمان عدم العودة إلى الصراع ومن أجل تحسين أساسات نظام الحكم في جنوب السودان. هذا ويجب توفير الدعم المستدام والحساس للمصالحة الشاملة من أجل إحلال الاستقرار والعدالة الضروريان لمرحلة الانتعاش في السودان. كان لمبادرات بناء السلام بين العناصر الأساسية وقع هام على التحول إلى السلام ولو أنه كان قد أهمل بشكل كبير. يراد من هذه المقالة التحليلية توفير مقترحات تدعم عمليات بناء السلام الحساسة مع التركيز على الدعم المقدم من قبل منظمة ميثاق إضافة إلى منظمات أخرى شاركت في مبادرات بناء السلام في جنوب السلام.

معالجة النزاعات العشائرية

خلف التاريخ الطويل للصراعات العشائرية بحراً من الإرشادات والمؤسسات المتعارف عليها من أجل التعامل مع أية حزازيات بين العشائر في جنوب السودان، إلا أن هذه النزاعات اندمجت بشكل خطير في حرب الجنوب والشمال والتي انبثقت مع الاستقلال واشتعلت مجددا في مطلع الثمانينيات. هذا وكانت سلطة قادة العشائر قد أخذت بالاضمحلال إضافة إلى إهمال قواعد ممارسات الحرب بعد تدهور سلطة أنظمة الحكم المحلية وقدرة الوصول السهل للأسلحة الخفيفة إضافة إلى استخدام الميليشيات من قبل الحكومات المتعاقبة في حروبها مع الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان. أصبحت غارات المواشي جزءا من الحرب إضافة إلى أن الأطفال والنساء والمجموعات المستضعفة الأخرى كان قد تم استهدافها بشكل صارخ وكان انقسام الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان قد جعل الوضع يتدهور بشكل مروع أثر سلبا على الانقسامات السياسية وزادت من الاقتتال بين الفصائل العرقية. وهذا ما حدث بالضبط في حالة الإقتتال العرقي الذي نشب بين مجموعات الدنكا والنوير والاقتتال فيما بين المجموعات والقبائل التي تنتمي إلى مجموعة النوير.

كانت مبادرات بناء السلام المركزية قد استمرت خالا سنوات الحرب إلا أنها كانت مشتتة وحساسة من جهة الانتماءات السياسية المرتبطة بالحرب المحلية ككل، حيث انعكس هذا على الاتفاقات التي نادرا ما كانت تدوم مما عزز الاعتقادات الخارجية بأن الصراعات المحلية ستزول إذا ما حل السلام وهي نظرة أهملت آثار تكتيكات الحرب التي استهدفت المدنيين وطريقة معالجة النزاعات المرتبطة بالصورة الأكبر للحرب. حيث أنزلت الأعمال الوحشية ضد المدنيين وزعزعة الأنظمة التي كانت تؤمن شبل العيش الخراب بالمنطقة وشجعت القيام بالأعمال الانتقامية مما جعل المجتمعات المحلية تحت رحمة مكائد المجموعات المسلحة والمصالح السياسية.

ونليت: ولادة فعاليات إحياء سلام شعبية فعالة

يحاول مجلس الكنائس السوداني الجديد والكنائس الأعضاء فيه مصالحة الأطراف العديدة في جنوب السودان منذ مطلع التسعينيات إلا أن جهود المجلس باءت في معظم الأحيان بالفشل الأمر الذي أثر سلبا على علاقة المجلس مع الأحزاب السياسية مع مرور الوقت. إلا أنه وبعد مؤتمر المصالحة الذي عقد في ياي سنة 1997، أقر المجلس تفويض من قبل الحركة الشعبية لتحرير السودان من أجل مصالحة وتوحيد المجموعات السياسية العسكرية في الجنوب. هذا وأثرت رغبة زعماء قبائل الدنكا والنوير إيجابا على مجلس الكنائس مما شجعه على تبني أسلوب أكثر شعبية. حيث قام المجلس بجمع المجموعتين سنة من أجل المصالحة 1999 في بلدة حدودية صغيرة تدعى ونليت حيث تم استعراض مختلف الشكاوى ومن ثم توقيع اتفاق بينهم بعد أن أجرى المجلس حوارا مبدأيا في لوكيتشونغو-كينيا. أدى هذا الأسلوب من جمع القادة المدنيين للأقاليم المتحاربة بدل جمع القادة العسكريين عن الأحزاب السياسية إلى زيادة شعبية النهج الذي اتبعه مجلس الكنائس والذي يمزج ما بين الطرق التقليدية والطرق الحديثة من أجل حل النزاعات، وكان أطلق عليه لاحقا بنهج ’الاتصال الشخصي‘ لتحقيق السلام.

مثل ميثاق ونليت إنجازا رائعا من حيث حل النزاعات الشعبية وبصيص أمل يبعث على التفاؤل على الساحة السياسية حيث تمثل هذا الأمل في أن هذا الإتفاق سيلهم المبادرات الأخرى القائمة على أساس المجتمعات المحلية. ومع أن مبادرة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية للسلام كانت قد حققت تقدما ضئيلا إلا أن الأطراف الشعبية كانت قد اعتبرت أن الوحدة فيما بين سكان الجنوب حيوية من أجل إحلال السلام هناك مما يخلق بيئة سياسية مسؤولة جراء انبثاق الوحدة في الجنوب. هذا وكان مجلس الكنائس قد أشار إلى دور قادة المجتمعات في جعل التكتلات السياسية أكثر فعالية.
شكلت مؤتمرات السلام التي عقدها مجلس الكنائس في منطقة أعالي النيل (مؤتمر وات - نوفمبر1999 ومؤتمر ليلير- مايو 2000). كانت المنطقة الشرقية للنيل مشحونة بسبب وجود العديد من المجموعات العرقية فيها مما صعب الوصول إليها وأثر سلبا على الاتفاقات الموقعة والتي نادرا ما كان يتم الالتزام بها.

تمثلت أكبر التحديات التي كانت تواجه مجلس الكنائس في محاولته لعقد اجتماع “روابط استراتيجية” في كيسومو/كينيا سنة 2001 مع قادة المجتمعات وأعضائها من أجل وضع المنظورات الشعبية في منظور سياسي ومن أجل إقناع القادة المنشقين بالمصالحة والتوحد. إلا أن نجاح المؤتمر كان محدودا بسبب امتناع الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان عن الحضور وبسبب قيامها بعرقلة المشاركة الأمر الذي يعكس التوتر الذي يلف مسألة تنظيم جدول أعمال عملية بناء السلام المحلية واتجاهاتها.

كان من الواضح أن تجهيز عناصر بناء السلام وتحيلها إلى قوة سياسية فعالة أمر صعب خصوصا في ضوء الطموحات السياسية التي تتطلع إلى تغييرات تشمل التوحد والمساءلة المحسنة للقادة. وتمثلت التحديات التي كانت تواجه التقدم نحو تحقيق هذا الهدف في أن بعض العناصر من الحركة الشعبية لتحرير السودان كانت إما متحفظة تجاه مجلس الكنائس أو أنها كانت تحاول تبني جدول أعمال عملية بناء السلام الشعبية. إضافة إلى أن منتديات السلام كانت غالبا ما تستغل كبيئة للمناورات السياسية وأنها كانت أيضا تجابه مجموعات سياسية تسعى لاستغلال النزاعات المحلية ومبادرات السلام كلما واتت الفرص للحصول على مكاسب شخصية. هذا وانبثقت تحديات أخرى بسبب محدودية القدرة على دعم مبادرات السلام الهشة وتنظيمها لكي تتماسك وتصبح ’حركة سلام‘، حيث أن المؤسسات التقليدية كانت متداعية ومؤسسات الخدمات الاجتماعية - باستثناء مجلس الكنائس- لم تكن تملك الشرعية اللازمة للقيام بهذا الدور.

ومن هذا المنطلق، شكلت عملية زيادة حجم الأنشطة الهادفة لبناء السلام على المستوى الشعبي تحديات عدة تمثل أخطرها في احتمال خلق أسباب جديدة تشعل الصراع، الأمر الذي يجعل العملية في حاجة إلى إشراف محنك من قبل منظمات وسيطة ذات مصداقية تملك بصيرة نافذة تستوعب البيئة السياسية وأساسات الصراعات القبلية العديدة في الجنوب.

صندوق السلام في السودان: تصميم الدعم من أجل بناء السلام الشعبي

دعم مجلس الكنائس السوداني الجديد فكرة ومبدأ ونليت إضافة إلى أنه عمم ملف المنظورات الشعبية في السنوات الثلاث الأولى من تبني عملية الاتصال الشخصي التي تمثلت في كونها محركا للتوافق السياسي وصل صوته إلى أبعاد جديدة إلا أنه بقي حركة منظمة ضعيفة. كان التحسن الملموس في فرص تحقيق السلام مع اندماج الفصيلين الرئيسيين في الجنوب في 2002 تحديدا ملحا لدور عملية بناء السلام الشعبية المستقبلي. لم يكن من السهل التكهن باستجابة حركة الاتصال الشخصي المحتملة تجاه التحديات المتغيرة إضافة إلى صعوبة تكهن مدى استجابة القيادات السياسية للتأثير الشعبي.

عاد إنشاء صندوق السلام في السودان من قبل وكالة التنمية الدولية التابعة للولايات المتحدة سنة 2002 على عملية الاتصال الشخصي لبناء السلام بتطورات جديدة. هذا وكانت الحكومة الأمريكية قد أنشئت نظام عمل في الجنوب يتخطى قيود الإرشادات الصعبة التي كانت موجودة في ذلك الوقت إضافة إلى أن صندوق السلام قام بدعم حركة الاتصال الشخصي لبناء السلام والتي كانت تضم ائتلاف وكالات –بما فيها مجلس الكنائس- كان يتم تنسيقها من قبل منظمة ميثاق والتي كانت تشتمل على مكتب البلدان الأفريقية للموارد الحيوانية، وجمعية الإغاثة المسيحية ومنظمة ميثاق-كينيا.

قام صندوق السلام في السودان بالعمل من خلال تقديم المنح للمنظمات السودانية من خلال استراتيجية محددة وإطار عمل يهدف إلى التقليل من الصراعات وترويج الاستقرار بتبنيه نطاق أوسع من نشاطات بناء السلام المكملة للعمل الذي كافح مجلس الكنائس لضمان استمراريته.

كان البرنامج قد تبنى بعض الخطوات التي ثبتت أهميتها في وقت لاحق.

أولا، أسس النظام تصميمه بناءا على مسح تشاركي سريع لمناطق الصراع تم وضعه في أواخر 2002 يشتمل على تحليل للصراعات المهيمنة على الساحة وبنيتها التحتية وأهدافها المباشرة إضافة إلى العوامل الرابطة بين الصراعات، حيث تبين أن غالبية الصراعات عرقية في طبيعتها يعتقد أن ثلثيها يقع تحت التأثير السياسي (تغذيه عوامل خارجية). وأن ضعف أو إهمال أو انحياز أو حتى غياب الإدارة المدنية في عدة حالات أدى إلى استدامة الصراعات أو زيادة حدتها. واتضح أن الاختزال المستدام للصراعات سيتطلب عملية بناء سلام مؤسسة من خلال لجان السلام مثلا ومن خلال المؤسسات القانونية والتشريعية تنبثق تحت مظلة حكومة جنوبية جديدة يتم إنشائها بعد إحلال السلام. هذا وكان التخطيط قد أشار إلى أن الاستقرار السياسي لن يزيل الصراعات المحلية على الفور، بل أن هناك احتمال أنه سيزيد من حدتها لبعض الوقت.

ثانيا، يتطلب تعدد أسباب الصراع وتعقيدها أسلوبا استراتيجيا منظما. حيث أن التدخل الإنفرادي في عملية بناء السلام قد يؤدي إلى خلق صراعات جديدة أو أن يتم تقويضه بسبب انعدام الأمن في المناطق المجاورة. لذا قام البرنامج بجمع المظاهر النسبية للصراعات والاستراتيجيات اللازمة للتعامل معها تحت قوائم تكتلات جغرافية أو موضوعية. قام البرنامج بعدها بالتكفل بثمانية مناطق رئيسية في الجنوب إضافة إلى ثلاثة مجالات تركيز إضافية (النيل الأزرق، وجنوب كردفان، وحدود بحر الغزال مع جنوب دارفور).

ثالثا، بادر صندوق السلام في السودان بإنشاء أرضية تفتح المجال لجهات والخبرات التقنية أخرى بالتدخل والمشاركة لتلبية احتياجات دعم عملية بناء السلام والتي يتوقع أن تفوق حاجتها ما يستطيع الصندوق تأمينه.

رابعا، شكل الحفاظ على موقع طرف حيادي ثالث تحديا بالنسبة للجهات السياسية بسبب حساسية القضايا المسيطرة على الساحة إضافة إلى نزعة هذه الأحزاب في الاستيلاء على مبادرات السلام. لذا، تم وضع مجموعة مبادئ توجه عملية صناعة القرار وتم تبني شرعية للعمليات التي يقودها الأشخاص للحفاظ على مركزية التحليل الشعبي وأفضلياته.

تم ربط جميع هذه العناصر معا تحت إطار عمل يهدف إلى التعرف على العاملين والمؤسسات الأوفر حظا من حيث دعم مبادرات السلام الشعبية. وتم تجسيد الرؤية بأن الإنقاص الفعال للصراعات يعتمد على التحكيم الأفقي في ما بين المجتمعات المنقسمة إضافة إلى أنه يعتمد على علاقة عمودية شفافة ومسؤولة بين المجتمعات والسلطات الحكومية. هذا ويعتمد تحقيق الاستقرار المستدام على خلق أدوار واضحة للجهات الحكومية وغير الحكومية، والتأكيد على الحاجة إلى المساءلة الديموقراطية، إضافة إلى تعزيز تكامل أوسع فيما بين الأطراف المعنية بالأهداف المشتركة.

إسهام صندوق السلام في السودان

شهدت الفترة ما بين 2002-2005 تغييرات واضطرابات عدة حيث واجه البرنامج طلبا هائلا للأشكال مختلفة من الحوار على الصعيد المحلي مع تقدم العملية التي تقوم الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية. هذا وكان البرنامج قد استلم مطالبات بأن تقوم المجتمعات المنقسمة بحل الاختلافات فيما بينها قبل بداية عملية التوزيع ومن أجل التعامل مع الشكاوى السابقة لديها لكي تحول دون أن يتم تسويتها بطرق “أخرى”. هذا وازداد عمق التوتر مع ازدياد أعداد القيادات المشاركة في المرحلة النهائية من عملية السلام في كينيا بسبب انعزال الحكومة المتزايد والمنافسة الشديدة على المناصب في حكومة الجديدة.

كان صندوق السلام في السودان يملك الجاهزية اللازمة لأقلمة برنامج الاتصال المباشر مع التحديات المحتملة خلال تلك الفترة. هذا ودعا الترويج للاستقرار والتوقع بتوقيع الاتفاق إلى حوار متبادل (بين المجتمعات التي قسمتها الحروب الأهلية) وحوار عبر حدودي (حيث أن قسما كبيرا من الحدود السودانية الدولية كانت قد اكتسحته الصراعات والممارسات الإجرامية). وكان أيضا قد تم إجراء عمليات ’استجابة سريعة‘ لدعم المجتمعات استجابة لتحذيرات بأن الصراعات ستتفشى فيها، إلا أن عملية الاستجابة السريعة لم تكن بالقدر الكافي. ومن الجدير ذكره أن المطالبة بإجراء حوار بين المدنيين والجيش وأصحاب النفوذ المدني كانت على القدر نفسه من الأهمية.

كانت المرونة بالغة الأهمية هذا واستطاع صندوق السلام أن يضم عددا من برامج الانتعاش التكميلية وبرامج التعامل مع المرحلة الانتقالية والتي تضمنت فعالياتها نشر الأخبار المتعلقة بتطورات السلام على الصعيد المحلي والوطني أيضا بما في ذلك من ترجمة المصادر إلى اللغات المحلية، وإنشاء مجالس سلام و دعم الإعلام وتأمين خدمات المياه إضافة إلى عدة مبادرات حكومية بما في ذلك من مؤسسات قضائية وتقليدية.

إن عملية قياس نتائج صندوق السلام معقدة إلا أن تقييم الدعم الآتي من وكالة التنمية الدولية التابعة للولايات المتحدة وقسم التنمية الدولية التابع للمملكة المتحدة إضافة إلى فريق مستقل تم توكيله من قبل ميثاق أفاد بأن مستويات الصراعات آخذة بالانخفاض بشكل ملحوظ وأن المصادر المدنية تعتقد بأن الوضع كان أسوء بكثير لولا وجود الفعاليات التي قام البرنامج بتنفيذها. وكانت النتائج قد تضمنت انخفاضا في الغارات على المواشي أو أعمال الانتقام التي ما تؤدي إلى القتل، إضافة إلى انبثاق عمليات إعادة المواشي وتوفير التعويضات وتحسن العلاقات التجارية. وكانت المجتمعات التي تأثرت جراء الصراعات أو تلك التي تتعامل معها أظهرت وعيا أكبر بمسببات الصراعات وبأدوارها المحتملة كلاعبة في عملية بناء السلام، وكانت ثقة هذه المجتمعات بقدراتها على التأثير على المجريات وقدرتها على التأثير على السلطات المحلية من أجل حل النزاعات والمحافظة على السلام قد تنامت. وعلى الصعيد العام، فقد أصبحت مبادرات السلام وأعداد المرشحين الذين يدعمون السلام أكثر اتساعا وتأسيسا، إلا أن معظم المراقبين قد حذروا من هشاشة المناخ السائدة في المنطقة.

كان لمبادرة السلام القاعدية تأثير على الحكومة من حيث ترويج التفاعل المحسن بين المجتمع المدني والسلطات - سواء كانت عبارة عن الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان أو الحركات العسكرية السياسية. فعند انتظام العاملين على إرساء السلام في صف مؤسساتي - سواء كان التنظيم عبارة عن مجالس سلام أو لجان ومؤسسات تقليدية- تبدأ مستويات الاستغلال السياسي بالانخفاض ويزداد حضور المساءلة الشفافة، إضافة إلى تحسن التماسك الاجتماعي الذي يؤدي إلى توافق أكبر من حيث المعايير المجتمعية.

إن تقدير التأثير الذي خلقته المبادرات القاعدية على الحلقة السياسية الأوسع مثل مفاوضات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية المتعلقة بالسلام لأمر بالغ في التعقيد ويستحق إجراء مسح أكثر تخصصا. وكان قد تم تعزيز الترابط الأفقي بين المبادرات المحلية والعمليات الأرفع حيث أمكن فقد تم رفع مقدار الوعي بتطورات عملية السلام، وترويج مبادرات السلام على أنها أرضيات عامة من أجل التعبير عن الآراء والمطالبات، إضافة إلى تخطيط وتعديل منهجية الاتصال المباشر بشكل يستوعب التطورات السياسية الحاصلة على مستوى الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية. هذا وقد برهن البرنامج في السنوات الأخيرة أن أي سلام يتم تحقيقه على الصعيد السياسي سيكون هشا إذا ما لم يكن هناك استقرار على الصعيد المحلي.

تطلعات مستقبلية

يصعب تقدير مستوى تحقيق المبادرات القاعدية لتوقعات 1999 بسبب التغييرات العديدة التي تلف جنوب السودان، إلا أن الأدلة المبدئية تفيد بأن أساسات السلام المستدام في المنطقة قد تحسن بشكل كبير جدا حيث تبنى البرنامج عن رؤية شمولية تحتوي عملية السلام الأوسع الأمر الذي يربط بين تحقيق الاستقرار المحلي والسعي السياسي العام وراء السلام. ويجب أن تروج هذه الرؤية بشكل أكثر فعالية بعد اندماجها مع نظام الحكم في جنوب السودان الآخذ بالانبثاق - خصوصا حكومة جنوب السودان التي نصبها اتفاق السلام الشامل- إلا أن هذه العملية ستستغرق وقتا حتى تتأصل.

كان من المأمول انبثاق ’حركة سلام‘ بارزة تنضم إليها المبادرات القاعدية بشكل مؤسساتي حيث يتم تمثيلها بشكل شفاف إضافة إلى أنها كانت ستشكل الحجم اللازم لإيقاع تغيير على نطاق أوسع. ومع أنه من المحتمل أن تحقيق هذه الأهداف قد فشل إلا أن التطورات آخذة بالتحرك في الاتجاه الصحيح. وعلى الرغم من هذا فإن التطور على النطاق الاستراتيجي - مثل توجيه المبادرات المحلية ودعم قدراتها - لم يقدر على مجاراة التطورات على الصعيد المحلي حيث يبقى النمو البطيء نسبيا للقيادة الموسعة التي تقدر على أخذ العملية قدما وهو مشروع أكثر تعقيدا بسبب عدم تأكد مستقبل مجلس الكنائس.

يجب أن يستمر الدعم الحساس الواعي الخارجي لعملية بناء السلام القاعدي بشكل يكون مبنيا على الخبرات التي تم اكتسابها في النوات الست الأخيرة إلا أن الغرض من هذه التوصية ليس تحفيز أطراف متعددة للقفز بشكل متسرع لأخذ تذكرة تجيز المشاركة في بناء السلام. ويجب أن تكون المرحلة القادمة من دعم مبادرات السلام المجتمعية أكثر تركيزا على التنظيم والتأسيس وأن تكون أكثر انخراطا في محادثات تضم ممثلي حكومة جنوب السودان والمبادرات القاعدية حول الأدوار والمسؤوليات المشتركة للحكومة والمؤسسات التقليدية والمجتمع المدني والكنائس والأطراف الخارجية المشاركة إطار عمل بناء السلام الذي يقوده الناس وفي رؤية مشتركة تسعى نحو الأمن والسلام.

 

Top | Sudan | Contents