| ||
|
الصادق المهدي في الخرطوم، 2006. رويترز/محمد نور الدين عبد الله Source: Reuters/Mohamed Nureldin Abdallah محدودية الحكم ثنائي الأطراف بقلم الإمام الصادق المهدي إن المشاركة والمسائلة والشفافية وسيادة القانون هي معايير الحكم الراشد كما نصت عليها أفضل الممارسات الدولية وكما عرفتها منظمات مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومع ذلك فإن هذه العوامل لا تميز الحكم في السودان. وبالرغم من أن الاتفاقية الثنائية المحدودة بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان الموقعة في مدينة نيفاشا في يناير 2005 تسمى باتفاقية السلام الشامل، إلا أنها بعيدة جدا عن الشمول، بل إنها في الحقيقة تضع العراقيل أمام معالجة النزاعات السياسية والنزاعات المسلحة الأخرى. إن اتفاقية السلام الشامل، التي يجب أن تعرف باسم اتفاقية سلام نيفاشا كوصف أكثر دقة لها، تدعي أن «التنفيذ الناجح للاتفاقية سيقدم نموذجا للحكم الراشد في السودان وسيساعد على إنشاء قاعدة صلبة للحفاظ على السلام ولجعل الوحدة جاذبة»، وهي مليئة بالبنود التي قد تؤدي إلى إقامة الحكم الراشد مثل تبني المواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، والنص على أن تكون العملية السياسية عملية شاملة. ولكن الاتفاقية تتجه نحو تقويض هذه المبادئ بضمان السيطرة على الشمال لصالح حزب المؤتمر الوطني، وذلك في شكل 52 بالمائة من مقاعد المجلس الوطني قبيل الانتخابات، وضمان السيطرة على الجنوب لصالح الحركة الشعبية لتحرير السودان بنسبة 70 بالمائة من مقاعد المجلس التشريعي لجنوب السودان لحين الانتخابات. ولا يوجد نص قانوني مفاده تحويل حزب المؤتمر الوطني، وهو حزب استبدادي، والحركة الشعبية لتحرير السودان، وهي مجرد ظل لشكلها السابق وهو الجيش الشعبي لتحرير السودان، إلى منظمات ديمقراطية. ونتيجة لذلك استمر الشمال في المعاناة من الحكم الدكتاتوري واستمر الجنوب في المعاناة من الحكم العسكري. تقدم الاتفاقية تمثيلا رمزيا فقط للقوى السياسية الأخرى، وترغمها على قبول الامتيازات والهيمنة السياسية «للحكومة ثنائية السلطة» لحزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، أو أن يتم حرمان تلك القوى من حقها في التمثيل. وتدعو الاتفاقية إلى إجراء انتخابات عامة في غضون ثلاث سنوات، ولكنها تنفي فعاليتها بوضع تاريخ إجراءها تحت تصرف الحكومة ثنائية السلطة وتمنع مشاركة كل الأحزاب التي لا تذعن لامتيازات الطرفين. وأخيرا تخاطر الاتفاقية بجعل الانتخابات باطلة ولاغية، وذلك بنصها على أنه إذا اختار الجنوب خيار الوحدة، ستستمر شروط وتشريعات اتفاقية نيفاشا مستقبلا. إن تنفيذ الاتفاقية، وبعيدا عن «جعل خيار الوحدة خيارا جاذبا»، قد وسّع هوة الريبة بين طرفي الحكومة ثنائية السلطة من جهة، وبينهما وبين القوى السياسة الأخرى في البلاد من جهة أخرى. هنالك مقاييس للحكم تعكس المشاكل. يصنف (مؤشر الدول المتردية)، الصادر عن مجلة الشئون الدولية بالتعاون مع مركز أبحاث السلام الأمريكيين، يصنف السودان باعتباره ثالث أكثر الدول ترديا في عام 2005 وأكثرها ترديا في عام 2006، بينما صنف (فهرس إدراك الفساد) الصادر عن منظمة (الشفافية العالمية) السودان كأكثر الدول فسادا في العالم العربي والدولة رقم عشرة (بالاشتراك) الأكثر فسادا في العالم. لا زالت الكثير من أجزاء السودان تتأثر بالنزاع، حيث أن اتفاقية سلام دارفور في مايو 2006 لم تكن كافية لوقف إطلاق النار ناهيك عن بناء السلام في دارفور. إن الأزمات في دارفور، وشرق ووسط وشمال السودان لا يمكن حلها إلا بالتخلي التام عن سياسات حزب المؤتمر الوطني التي زادت من حدة الانقسامات القديمة في السودان، وأوجدت انقسامات جديدة وأصعب من سابقاتها. مما يقتضي مراجعات تتجاوز السقوف التي وضعتها اتفاقية نيفاشا، ينبغي استبدال المساومة الانتهازية على السلطة بين نخب منقسمة، بخيار الانخراط المناسب لكل القوى السياسية في البلاد في عملية بناء سلام وبناء ديمقراطي، حيث أن المساومة على قسمة السلطة والثروة بطريقة «البيع بالقطاعي» التي اتخذها مفاوضو حزب المؤتمر الوطني وتجسدت في الاتفاقية لن تبني السلام ولن تحقق الحكم الراشد. ولا يسعدني أن أختم مؤكدا أن التوقعات السلبية التي ذكرتها في عام 2005 في كتابي عن اتفاقية نيفاشا ودستورها الانتقالي قد ثبتت كلها، وبالتفكير الممعن حول الممارسة الحمقاء جلها يمكننا استخلاص الدروس التالية: 1) إن لوردات الحرب الذين يشعلون النزاعات المسلحة ويدعمونها ضروريون لدى إنهاء هذه النزاعات، ولكنهم غير كافين لبناء السلام، ويجب الاعتراف بالقوى السياسية الأخرى واشتمالها. 2) يجب أن يعتمد مبدأ تقاسم السلطة على مبادئ الشرعية، وخاصة الإجماع الوطني أو القرار الانتخابي، وليس على المساومة الحزبية أو الإقليمية. 3) يجب أن يعتمد مبدأ تقاسم الثروات على أساس موضوعي هو احتياجات التنمية، وليس على المفاوضات الانتهازية. 4) ضرورة وجود آلية مساءلة على جرائم وتجاوزات الماضي مثل «لجنة الحقيقة والمصالحة» في جنوب أفريقيا وذلك كي لا تترك التظلمات تغلي تحت السطح. 5) إن الوسطاء قللوا من فعالية مجهوداتهم بتركيزهم على الأطراف ذات السلطة (الخشنة) العسكرية والرسمية، وبتجاهلهم للدبلوماسية غير الرسمية ولمساعي منظمات المجتمع المدني. 6) ينبغي للأطراف الإقليمية وخاصة الدول المجاورة للسودان الانخراط بشكل أكبر في عملية السلام، إلى ما وراء التدخل الإقليمي الرمزي المتمثل في سكرتارية منظمة الإيقاد الميتة تقريبا الآن. لقد تشابكت ثلاث من الدول المجاورة للسودان (تشاد وإريتريا وأوغندا) معه بشكل صيّر الحرب والسلام قضايا إقليمية، وينبغي أن يستفيد السودان من موقعه الاستراتيجي على تقاطع الطرق بين شمال إفريقيا، والساحل، ووسط إفريقيا، وشرق إفريقيا، لكي يدفع بخطة سلام إقليمية للقرن الأفريقي. 7) إن شعب السودان يحتاج لعقد مؤتمر قومي دستوري (شبيه بمؤتمر «نحو جنوب أفريقيا ديمقراطية» في 1991-1992م على سبيل المثال) وذلك للخروج باتفاقية سلام شاملة وعادلة وللتخطيط لعملية انتقال ديمقراطي حقيقية. وبينما يحوّل هذا المؤتمر الاتفاقية ثنائية الأطراف إلى اتفاقية قومية، فإنه سوف يحدد مصير النقاط الغامضة في اتفاقية نيفاشا المحتاجة لتفسير، ويشمل قضايا هامة للسلام تجاهلتها الاتفاقية، ويغير علاقات السلطة الثنائية التي تنتهك حقوق الآخرين، ويصادق على النقاط الأساسية التي تؤدي إلى المصالحة مثل حق تقرير المصير، والفترة الانتقالية، والمساواة في المواطنة. وحتى تتجسد ثمرات هذه المحاولات الوطنية، يجب أن يتدخل طرف ثالث ليساعد على تعزيز الأمن والنظام في السودان واحتواء النزاعات الإقليمية الملتهبة. إن وجود دور معزز للأمم المتحدة في السودان، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، هو أمر حتمي إن أردنا تجنب تجدد الحرب الأهلية والنزاعات المسلحة.
|
||
| © Conciliation Resources | Legals | Site Map Registered Charity No: 1055436 173 Upper Street, London, N1 1RG, UK Tel: +44 (0)20 7359 7728 Fax: +44 (0)20 7359 4081 email: cr@c-r.org |